الصفحة 225 من 379

في تربيتها توازن بين إطلاق الدوافع الفطرية بلا ضابط فتنقلب شهوات مدمرة، وبين كبت هذه الدوافع وتعطيل الحياة بالرهبانية. فتقيم"ضوابط"تضبط منطلق الشهوات وتنطف مجراها دون أن تكبتها من منبعها ..

في فكرها توازن بين"العلم"و"الإيمان"فلا يطغيها العلم العقلي أو المادي فتنكر الوحي. ولا يمنعها إيمانها بالوحي أن تتعلم وتجرب وتنقب وتجتهد حيثما كان مجال لكل ذاك. ولذلك أقامت حركتها العلمية الكبرى في غير صراع مع العقيدة كجاهلية اليوم، بل في ظل العقيدة ومنبثقة منها، مهتدية بهدي الرسول -صلى الله عليه وسلم:"طلب العلم فريضة"..

وهكذا كانت هذه الأمة"وسطًا"في كل مجال من مجالات الحياة، وبكل معنى من معاني الوسط .. لتكون القائدة لكل البشرية ..

واليوم يجد المسلمون أنفسهم في ذيل القافلة، يلهثون وراءها وهي تسبقهم على الدوام ..

نعم .. لأنهم تخلوا عن تعاليم دينهم ففقدوا مكان القيادة الذي أهلهم الله له، بل فقدوا مقومات وجودهم حتى في حدود ذواتهم!

ولا سبيل لهم إلى الحياة الكريمة التي وعدهم الله بها إلا أن يعودوا لهذا الدين .. يتفهمونه .. ويطبقونه ويعيشونه .. عندئذ يتغير الحال .."إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" [1] .

"لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَاسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَاسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ".

نص شامل من أقوى النصوص المبينة لحقيقة"البر"الذي هو الإيمان ..

إن المسألة ليست أداء آليًا لشعائر التعبد .. فما أبأسها هذه من عبادة!

إنها أمور اعتقادية داخل القلب وسلوك عملي في واقع الحياة ..

إيمان شعوري بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين .. وانفاق في سبيل الله .. وإقامة للصلاة .. ووفاء بالعهد .. وصبر في البأساء والضراء وحين البأس .."أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ".

إن التقوى ليست خفض الهامات تظاهرًا بالخشوع .. كذلك الذي ضربه عمر رضي الله عنه بالدرة وقال له: أمتّ علينا ديننا أماتك الله!

إنا هي هكذا كما حددها كتاب الله!

والخشوع في الصلاة من التقوى ولا شك!"قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ" [2] .

ولكن دين الله ليس أجزاء ينتقي الإنسان منها ما يروق له ويهمل سائرها ثم يدعي التقوى والإيمان!

وإن هناك أقوامًا يقومون بتربية روحية لأنفسهم ولأتباعهم، لا شك في جمالها، ولا شك في أنها من الإسلام ومن الإيمان. ولكن ما غايتها؟ وما قيمتها حين ينكرون على أنفسهم وعلى غيرهم الجهاد في سبيل الله، والسعي لإقامة حكم الله في الأرض، ولتكون كلمة الله هي العليا؟

وإن واقع المسلمين في أي عصر من عصور التاريخ ليحدده بالضبط كم يأخذون من دين الله وكم يدعون! فبقدر ما يأخذون معناه الشامل المتكامل، ويعيشون به في واقع الأرض يكون تمكنهم في الأرض وقيامهم برسالتهم الربانية العالمية.، وبقدر ما يقطعون هذه الدين أجزاء، وبقدر خوائهم من المعنى الشامل الكامل في المشاعر وفي السلوك يكون انكماشهم وتضاؤلهم ..

(1) سورة الرعد: 11.

(2) سورة المؤمنون: 1 - 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت