وهم اليوم في الذل الذي يرون ..
فلينظروا لأنفسهم أين هم من دين الله الشامل المتكامل .. وليسألوا أنفسهم عن مدى استحقاقهم لأن يكونوا مسلمين!
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ".
إنها دعوة للمسلمين أن يدخلوا في"السلم"كافة .. والسلم هو السلام .. وهو هنا الإسلام .. لأنه هو الذي يتمثل فيه السلام الكامل في داخل النفس، حين تصطلح كلها بعضها مع بعض وتنظم كلها في طريق واحد وغاية واحدة .. هو الطريق إلى الله ..
إنه"الاطمئنان"الذي أشارت إليه سورة الرعد:"الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" [1] .
وإنها"النفس المطمئنة"التي أشارت إليها سورة الفجر:"يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي" [2] .
ولا يتأتى هذا الاطمئنان وهذا السلم إلا حين تنضوي النفس كافة في داخل إطار الإسلام! حين تكون كل جزئية من جزئيات النفس، وكل جانب من جوانبها قد استسلم بكامله لله .. ولم يعد للشيطان قدرة على مناوشته وجذبه خارج إطار الإيمان!
لذلك فهو يخاطب المؤمنين هنا ولا يخاطب"الناس"..
المؤمنون هم الذين يستطيعون -ولو بالجهد- أن يدخلوا في السلم كافة، بكافة ما في أنفسهم من مشاعر وخواطر وتطلعات وآمال وآلام، وبكافة ما يصدر عنهم من سلوك ..
إنها مهمة ليست هنية .. ولكنها -عندما يصل المؤمن إليها بعد الجهد- تستحق ما بذل فيها من جهد، ثم إن لها جزاء ليس كالجزاء!
"إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ، نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ" [3] .
"أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَاسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ".
إنه الابتلاء .. سنة الله مع المؤمنين:"أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ" [4] .
هل هو ضرورة"ملحة"إلى هذا الحد؟! هذا العذاب الذي يلقاه المؤمنون في الدنيا، وخاصة في الجولة الأولى، جولة الإنشاء؟ أما كان من الممكن أن يتفاداه المؤمنون، وتمر حياتهم في سلام؟!
لو علم الله أن ذلك هو الخير ما ضنّ بالخير على عباده المؤمنين!
ولكن الله هو الذي يعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير ..
إنه يعلم سبحانه أن النفوس لا تستقيم على الحق، ولا تستقيم للحق، ولا تتجرد لله إلا بعد ذلك التمحيص الذي يتم بالابتلاء!
إن طبيعة النفس البشرية هكذا! إذا سلمت وأمنت ترهلت ودب العطب إليها!
(1) سورة الرعد: 28.
(2) سورة الفجر: 27 - 30.
(3) سورة فصلت: 30 - 32.
(4) سورة العنكبوت: 2 - 3.