إن النفس كالجسم! وحين لا يقوم الجسم بتدريبات عنيفة يترهل ويفسد، ويعجز بعد قليل حتى عن أبسط الجهد! وحين يقوم بالتدريبات الشاقة -وهي شاقة قبل أن يتعودها، فإذا تعودها ذهبت مشقتها! -فإنه يكون أخف وأنشط وأرشق .. وأقدر على احتمال الجهد دون أن يصيبه الجهد!
والنفوس التي تعد لعظائم الأمور لا بد أن تعد لاحتمال الجهد دون أن يصيبها الجهد .. والطريق إلى ذلك هو التدريبات الشاقة، التي تصل في مشقتها أحيانًا إلى حد أن يقول الرسول والذين معه -من شدة الزلزلة -"متى نصر الله!".
ثم يمن الله على عباده ويرفع عنهم الجهد ويرفع عنهم الابتلاء .. ولكن أرواحهم تكون قد أصبحت أخف وأنشط وأرشق .. ونفوسهم أقدر على احتمال الجهد دون أن يصيبها الجهد ..
ثم إن الابتلاء هو انتزاع الإنسان من متاع الحياة الدنيا .. سواء كان هذا المتاع هو الطعام والشراب والملبس والمسكن والمال والعشيرة والأهل .. أو كان هو المكانة المرموقة .. أو كان هو الأمة والسلامة والاطمئنان على الحياة ..
والإنسان في أمنه يحسب أن هذه الأمور هي مقومات الحياة .. وأنه لو فقدها فقد مقومات حياته!
وهو بهذه الصورة لا يصلح لعظائم الأمور! لا يصلح لحمل الأمانة الكبرى .. فضلًا عن الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله ..
ولو ترك الإنسان لنفسه فلن ينخلع من أمته وراحته، وماله وأهله وعشيرته ..
فيأتي الابتلاء فينزعه نزعًا من هذه الأمور كلها أو بعضها ..
ويشعر في بادئ الأمر دون شك بالمشقة ..
ثم تمر فترة المحنة، وقد حرم مما حرم منه، ومع ذلك فهو لم يفقد"مقومات"حياته! بل إنه على العكس قد استشعر لوجوده طعمًا لم يكن يستشعره من قبل، وصار يتذوق قيمًا ومشاعر وأعمالًا سلوكية لم يكن يتذوقها من قبل ..
لقد صار إنسانًا آخر أرفع وأعلى مما كان قبل .. وزادت حياته ثراء ورحابة وعمقًا ..
فإذا عاد للأمن بعد انتهاء المحنة، فلا يستغرقه متاع الأرض، لأنه جرب بالفعل أنه ليس أرفع ولا أجمل ما في حياة الإنسان.
وإن ذهب للقاء ربه .. فذلك الشهيد .. وتلك أقصى مراتب الحياة!
ثم إن الإنسان عرضة -وهو مستمتع بالمتاع الأرضي- أن ينسى الآخرة أو يتضاءل حجمها في حسه!
إن المعنويات كالحسيات في كيان الإنسان ...
قرب أصبعك من عينك تجده قد حجب عنك -على ضآلة حجمه- مساحلة هائلة من الفضاء .. وأبْعِدْه عنك يَبْدُ لك في حجمه الطبيعي، ويظهر لك ما خلقه مما كان حجبه عنك ..
وكذلك حين يقترب الإنسان من متاع الأرض حتى يلتصق به، فإنه يحجب عنه متاع الآخرة .. ويحتاج أن يبتعد أو يُبْعَد عن هذا المتاع فترة، يراه على حقيقته، صغيرًا ضئيلًا في الحقيقة، ويرى ما كان يحجبه من نعيم أكبر وأمتع وأعظم وأخلد ..
لكل ذلك فإن الله يوجب الابتلاء على عباده المؤمنين .. لأنه يحبهم وليس لأنهم -عنده- غير جديرين بالمتاع!
"كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ".
إنها طريقة الإسلام الواقعية في التربية ..
إنه لا ينكر عليهم كرههم للقتال! ولا يفرض عليهم فرضًا أن يتجردوا من مشاعرهم البشرية الفطرية!
ولكنه إذ يقر هذه المشاعر الفطرية من حيث المبدأ، لا يتركها على حالها دون رفع أو تطهير أو توجيه .. إنه فقط لا يستنكرها منهم لكي لا يوقعهم في شد عصبي بين واقعهم وما ينبغي أن يكونوا عليه. ولكنها يوجهها بما يؤدي إلى رفعها وتطهيرها والصعود بها إلى القمة المطلوبة ..