الصفحة 228 من 379

وكذلك فعل بأمر القتال .. يقرهم على أنه"كره"لهم .. ثم يوجههم إلى أنه ليس كل شيء يكرهونه يكون شرًا .. فقد يكرهونه ويكون فيه الخير، وقد يحبونه فيكون فيه الشر .. ومن هذا الخيط يجذبهم إلى أعلى فيستجيبون طائعين .. ويصلون إلى قمة لا مثيل لها في التضحية والفداء!

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ، وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ".

إن للقرآن عناية كبيرة بما نسميه"مشاهد الطبيعة"..

وهو لا يستخدمها فقط في توجيه الحس البشري لآيات الله في الكون، وهو الغرض الأساسي الذي ترد فيه مشاهد الطبيعة .. إنما يستخدمها في مجالات أخرى تبدو"فنية"بحتة!

وهو هنا يستخدم مشاهد الطبيعة لتمثيل حالتين"نفسيتين"هما الإنفاق رئاء الناس والإنفاق ابتغاء مرضاة الله ..

وفي ذلك درس لمن أراد أن يسأل: هل للإسلام صلة بالفن؟ أو: هل يجوز للمسلم أن ينشغل بالفن؟!

إن الجمال التعبيري جزء من كتاب الدعوة الأعظم .. فحين يستخدم المسلم الفن للدعوة فهو في نطاق الإسلام لم يغادره ..

ولكنه الفن النظيف الملتزم بالتزامات الإسلام [1] !

والآن نأتي إلى ختام السورة:

"آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ".

ألا ترى هنا شبهًا بين الافتتاح والخاتمة؟

"الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ".

إنه وهو يختم السورة يلخص مرة أخرى سمات هذه الأمة المميزة، التي تؤهلها للخلافة الراشدة في الأرض.

"لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ"..

"لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ".

وسواء كان هذا تقريرًا ربانيًا لحقيقة ربانية، أو كان جزءًا من الدعاء معناه: ربنا لا تكلفنا فوق وسعنا .. فإنه تقرير لحقيقة أن التكاليف التي فرضها الله في هذا الدين هي في وسع النفس البشرية، وليست خارجة عن احتمالها ..

ثم يُلْهَمُ المؤمنون أن يدعوا بهذا الدعاء الخاشع الجامع الجميل:

(1) انظر"منهج الفن الإسلامي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت