بسم الله الرحمن الرحيم
"الم، اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ، مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ، إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء، هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الألْبَابِ، رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ، رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ، كَدَابِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ، قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَايَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ".
هذه السورة، على طولها، فهي ثالث سور القرآن من حيث الطول، مشغولة بموضوع واحد من البدء إلى النهاية، هو معركة لا إله إلا الله! إن هذه المعركة -بكل ميادينها وكل رسائلها، الحسي منها والمعنوي، والمادي منها والروحي- ذات أهمية بالغة في حس الإسلام. إنها معركة الوجود كله بالنسبة للقلب المؤمن، الذي امتلأ بحقيقة لا إله إلا الله.
إن هذا القلب الذي أقر بلا إله إلا الله، واستقرت فيه حقيقة الألوهية وحقيقة الربوبية وحقيقة العبودية، لا يمكن أن يهدأ أو يستقر كما تستقر القلوب الخاوية .. إلا أن يرى هذه الحقيقة الربانية قد استقرت وتمكنت في الأرض. وإنه لواجد للا إله إلا الله أعداء كثيرين في الأرض، يحاربونها لكي لا تستقر! يحاربونها بكل وسائل الحرب، الحسية والمعنوية، والمادية والروحية. يحاربونها بالمال والسلاح، ويحاربونها بالدعاية المغرضة، ويحاربونها بالتشكيك في قيمها وأصولها، ويحاربونها بمحاولة زلزلة المؤمنين بها وزحزحتهم عن عقيدتهم، ويحاربونها بالتظاهر باتباعها ثم الرجوع عنها لعل المؤمنين بها يرجعون عنها .. وهكذا لا يتركون وسيلة واحدة من وسائل الحرب إلا اتبعوها .. لأنهم يكرهونها، ولأنهم يحسدون أهلها عليها في ذات الوقت، ولأنها تسعى إلى استرداد السلطة المغتصبة من أيديهم وردها إلى صاحبها الحقيقي وهو الله سبحانه وتعالى، ولأنها تدعو إلى التطهر والنظافة وهم يكرهون تكاليف التطهر والنظافة .. إلى أسباب كثيرة تدعوهم إلى كراهيتها ومحاربتها ..