فماذا يفعل المؤمن إزاء هذا كله؟!
إن هذه السورة كلها متخصصة في هذا الموضوع!
إنها تحدث المؤمن عن طبيعة المعركة ومجالاتها، وعن أعداء لا إله إلا الله ودوافعهم لهذه العداوة، وعن الوسائل التي يتخذونها ضده وضد دعوته، وعن واجبه هو إزاء ذلك كله .. حديثًا مستفيضًا يستغرق مائتي آية كاملة هي كل آيات السورة .. ويجول به جولات واسعة ما بين الدنيا والآخرة .. ما بين المتاع المقعد عن الجهاد في الدنيا والمتاع المكافئ على الجهاد في الآخرة .. ما بين اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين وهم الأعداء الأربعة الذين يكرهون الإسلام ويحاربونه .. ما بين معركة الجدل ومعركة السلاح .. ما بين النصر والهزيمة .. ما بين القضاء والقدر ومسئولية البشر .. ما بين الفرار من المعركة والاستشهاد في سبيل الله .. ما بين المنفقين في سبيل الله والباخلين بما آتاهم الله من فضله .. ما بين قصص الماضي وقصص الحاضر .. وما بين الأرض والسماء!
"الم، اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ، مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ".
بدء يشبه في بعض جوانبه بدء بعض السور المكية، ولكنا نلاحظ بعض الفروق. فهنا يذكر التوراة والإنجيل باسميهما؛ وكان في السور المكية يذكر ما نزل من الكتاب من قبل مجملًا بغير تفصيل. وذكر التوراة والإنجيل هنا مقصود بالذات بمناسبة الحديث عن اليهود والنصارى وموقفهما من الإسلام .. ثم إن هذا الافتتاح"العقيدي"تترتب عليه هنا نتائج معينة؛ تتصل بمعركة لا إله إلا الله؛ فهو لا يذكر لتأسيس العقيدة فقط، كما كان الحال في السورة المكية، إنما لأمور تتصل بالعقيدة في حياة الأمة الجديدة وتترتب عليها ..
إن الآيات الأولى من السورة في الحقيقة، إلى قوله تعالى:"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ"هي تلخيص واف للموضوع الرئيسي للسورة. فالمقدمة هنا تشير إلى ما ستتناوله السورة من موضوعات، وكل إشارة فيه متصلة بجزء من صلب الموضوع.
"الم، اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ".
تلك هي القضية الرئيسية في السورة وفي القرآن كله .. قضية لا إله إلا الله. والتي سنجد أن السورة كلها تدور حولها من شتى جوانبها. فمجيئها في افتتاح السورة إشعار بأنها هي الموضوع الذي تتناوله السورة بالتفصيل.
"نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ، مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ ...".
نزل عليك الكتاب بالحق مصدقًا للتوراة والإنجيل. وهو الذي قد أنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس، وهو الذي ينزل الفرقان اليوم لذات الغرض وهو هداية الناس .. فما بال اليهود والنصارى لا يؤمنون بالكتاب الذي نزل مصدقًا لما معهم، وما بالهم يريدون أن ينكروا على الله سبحانه أن ينزل كتابًا جديدًا بعد التوراة والإنجيل، بينما هو مصدق لما فيهما فضلًا على أنه ليس من حق بشر أن يعترض على الله سبحانه وتعالى أن ينزل كتابًا جديدًا حين يشاء ..
إن هذا كله لا يذكر صراحة في افتتاح السورة، وإنما يذكر في أثنائها بتفصيل وتوضيح. ولكنا نريد أن نبين أن الإشارة الواردة في افتتاح السورة هي إشارة دالة .. كأنما يذكر رءوس الموضوعات كلها في مقدمة السورة ليتناولها بالشرح والتفصيل فيما بعد.