الصفحة 259 من 379

لا تكونوا كاليهود الذين سبق توعيتكم بشأنهم، وبيان انحرافاتهم ..

وهذا التحذير من أن يصبحوا مثل هؤلاء بالذات، يأتي في مكانه هنا بعد ما كاد فريق من المؤمنين يستمع إلى كيدهم فيرتد عن الإسلام .. فهو إذا يذكرهم بانحرافات هؤلاء، يحقرهم في ذات الوقت، ليعلم المؤمنون أن طريقهم غير طريقهم، فلا يعودوا للإصغاء إليهم ..

".. وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ".

أولئك الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات -بدلًا من أن يستقيموا على الطريق وتتفتح قلوبهم للبينات- لهم عذاب عظيم في ذلك اليوم المشهود الذي تبيض فيه وجوه بالعمل الصالح والطمأنينة التي يسكبها الله في قلوبهم، وبإشراقة الإيمان على وجوههم، وتسود وجوه بالعمل الشرير والفزع الذي يستولي عليهم، وبظلمة الكفر تتضح على وجوههم. فأما الذين اسودت وجوههم فيوجه إليهم هذا السؤال المفزع، لأن نتيجته مفزعة:"أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ"وما ينتظر منهم إجابة فالإجابة معروفة، بل يقال لهم على التو:"فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ". وأما الذين ابيضت وجوههم"فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ"وكفى بها نعيمًا في ذلك اليوم العصيب و"هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"..

يستوقف النظر أنه قال:"يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ". فقدم الذين ابيضت وجوههم. ومع ذلك فعند الحساب قدم الذين اسودت وجوههم .. كأنما عجل لهم الحساب فالعقاب جزاء على كفرهم ..

إنها على أي حال ليست المرة الأولى في السورة! فمن قبل بالنسبة للذين اتبعوا عيسى والذين كفروا به:".. وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ، وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" [55 - 57] .

فهو إذن نسق متبع في السورة، وليس مرة عابرة .. إنه يعجل لهم العذاب .. والمقصود في الموضعين واحد: هو اليهود!

"تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ، وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ".

تلك .. من تعذيب الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات، ومن رحمة الله التي يخلد فيها الذين آمنوا واستقاموا على طريق الله، تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق. وإن الله لا يريد ظلمًا لأحد من العالمين. إنما هم الذين يظلمون أنفسهم بتنكب الطريق فيصيبهم الجزاء الحق. ولا شيء يذهب هباء، ولا أحد يهرب من جزائه! فإن لله ما في السماوات وما في الأرض .. والأمر كله مرجعه إليه ..

"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ"..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت