فهرس الكتاب
ذلك هو التقرير الرباني بشأن هذه الأمة .. إنها خير أمة في تاريخ البشرية كله .. حتى تاريخ الأمم المؤمنة من قبل! إنها الأمة الخاتمة، كما أن رسولها -صلى الله عليه وسلم- الرسول الخاتم. وهي الأمة الراشدة التي حملت الأمانة والبشرية في سن الرشد .. وحملتها على نحو غير مسبوق وغير ملحوق في تاريخ الأرض كله .. الأمة التي حققت وجود الإنسان في وضعه الأسمى كما خلقه الله:"فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ".. ووازنت في حياتها بين مقومات الحياة الإنسانية كلها، فلم تهمل جانبًا منها، ولم تدع جانبًا منها يطغى على الآخر ..
وهي خير أمة"أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ"فما لنفسها أخرجت! وما لتؤدي دورًا ذاتيًا خلقت .. إنما لتؤدي دورها للبشرية كلها، بأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله .. وتقدم الإيمان لكل البشرية! [1] .
".. وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ".
لو آمن أهل الكتاب الذين سبق الحديث عنهم وعن انحرافاتهم، لكان خيرًا لهم. ولكن قلة قليلة منهم هي التي آمنت بالرسول -صلى الله عليه وسلم-"وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ".
ثم يوجه الحديث للأمة المؤمنة -خير أمة أخرجت للناس- ألا يخشوا بأس اليهود:
"لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ"..
إنه لا يقول: لن يضروكم! كلا! إنما يحدد نهاية المعركة إذا حدث القتال:"يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ".
"لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى". والأذى ليس هو المهم في حياة المؤمن. إنما المهم هو عقيدته. فما دامت عقيدته باقية راسخة لم يصبها أذى، فلا عليه أن يصيبه هو الأذى في سبيلها! واليهود لن يكفوا عن توجيه الأذى إليكم. ولكنهم لن يضروا عقيدتكم فلا تبالوا بالأذى الذي يصيبكم أنتم .. ثم إن قاتلوكم فنتيجة المعركة معروفة ومضمونة"يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ"..
وهذا كله بطبيعة الحال حين كانت الأمة الإسلامية هي خير أمة بالفعل، لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله .. فأما حين تصير إلى ما صارت إليه، لا يربطها بالإسلام إلا الاسم .. فمن أين يتحقق لها وعد الله؟!
ثم تجيء هذه الآية العجيبة في حق اليهود .. التي تتحقق بعد ثلاثة عشر قرنًا من نزولها، وفي أوسع مجالاتها وأوسع معانيها!
"ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ ...".
إن الذلة مضروبة عليهم أبدًا، وحيثما وجدوا:"وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ" [2] .
ولكن هناك فترات استثنائية:"إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ".
والحبل هو المدد .. فتلك الفترات الاستثنائية تتم بمدد من الله .. فإنه لا يتم في الكون إلا ما يريده الله .. ومدد كذلك من الناس.
واليهود اليوم في قمة فترتهم الاستثنائية التي لم يصلوا لمثلها في تاريخهم كله .. بحبل من الله وحبل من الناس.
فكيف تم ذلك ولماذا تم؟!
(1) راجع في عرض سورة البقرة الكلام عن"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا".
(2) سورة الأعراف: 167.