فهرس الكتاب
فيوم كانت تؤدي رسالتها للبشرية وتمس هي في يدها الزمام، كان اتجاه البشرية كلها إلى الصعود، حتى الذين لم يدخلوا في الإسلام ..
فأما حين تخلفت وتخلت .. فلا بد أن تتولى الجاهلية قيادة البشرية .. وذلك الذي حدث بالفعل .. فحدث الانهيار العقيدي والأخلاقي الذي يحول الناس إلى حمير .. فأسرع"شعب الله المختار!"يركب الحمير ..
ولن يتغير وضع اليهود في الأرض، حتى يعود"الناس"إلى الله .. حتى يكفوا عن استحمار أنفسهم لشعب الله المختار ..
إن"المؤمن"لا يستطيع الشيطان أن يسيطر عليه، ولا أعوان الشيطان وأولياؤه:"إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ" [1] .
ويوم يعود الناس إلى الله فلن يجد الشيطان سبيلًا إليهم، ولن يستطيع أولياء الشيطان كذلك أن يسيطروا عليهم ويركبوهم!
ويوم يعود الناس إلى الله .. فسوف ينحسر دور الشياطين في الأرض ويعودون إلى حالتهم الدائمة:"ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا"وتزول تلك الفترة الاستثنائية التي تعانيها البشرية اليوم بما أجرمت في حق الله!
"لَيْسُوا سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ، يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ".
ليس كل أهل الكتاب سواء [وذلك كان وقت نزول هذه الآيات بالطبع] فمنهم فئة قليلة آمنت بالرسول -صلى الله عليه وسلم. فأولئك الذين يشير إليهم السياق هنا. يقومون بالليل متعبدين، ويؤمنون بكل ما يؤمن به المؤمنون. فهؤلاء لهم أجرهم عند الله ولا يخفى أمرهم على الله. أما الباقون فهم مصرون على كفرهم لا يغيرون موقفهم:
"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ".
إن الذين كفروا كلهم -من أهل الكتاب أو المشركين- لن تغني عنهم أموالهم التي يكتنزونها ولا أولادهم الذين يباهون بهم .. لن تغني عنهم من الله شيئًا. ولن تمنع عنهم النار التي هم أصحابها! والتي هم خالدون فيها. وكل ما ينفقون في هذه الحياة ضائع عليهم، بل حسرة عليهم، لأنه يزيدهم إثمًا كلما أنفقوا! إذ ينفقون في الباطل وفي الصد عن سبيل الله. والسياق يمثل لإنفاقهم بصورة ريح صرصر عاتية تهلك حرث القوم الذين ظلموا أنفسهم، وهو تشبيه يستوقف الإنسان ليتأمله. وهو أشد تأثيرًا في النفس من المعنى الذهني المجرد، كأن يقول: إن ما ينفقون وبال عليهم. لأن الخيال هنا يتتبع الريح المدمرة وهي تهلك، ويتخيلها وقد أتت على الزرع الناضر الذي كان يرجى منه الثمر فإذا هو حطام. وكذلك حال هؤلاء الكفار: يهلكون أعمالهم ويهلكون أنفسهم ولا يكسبون إلا البوار.
وإذا كان هذا هو حالهم فما ينبغي للمؤمنين أن يتخذوا بطانة منهم، خاصة وهم لا ينطوون إلا على الحقد والضغينة ولا يتمنون للمسلمين إلا العنت والخبال:
(1) سورة النحل: 99 - 100.