فهرس الكتاب
لقد كانوا منّوا أنفسهم أن المسألة قد انتهت! وأن هذا الإسلام قد ذهب إلى غير رجعة! وأن الثمرة قد أصبحت وشيكة الوقوع في أيديهم .. ولكن قيام حركات البعث هذه أخذ يشككهم في تحقيق أمنيتهم القديمة في القضاء على الإسلام. ومن ثم يحنقون عليها ويعضون الأنامل من الغيظ منها، ويتواصون بضربها بأقصى درجات العنف لعلها تبيد وتفنى .. ويستخدمون أبشع أنواع التعذيب للقضاء على القائم منها، والتنفير من الانخراط في سلكها .. ولكنهم مع ذلك لا يصلون إلى غرضهم منها لأن الله هو الذي يريد لدينه أن يبقى! وليس البشر هم المحكمين في أمر الله!
"إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا"..
فأما هذه فباقية إلى هذه الساعة .. وإلى أن تقوم الساعة!
إنهم رغم اطمئنانهم لحاضر"المسلمين"أنهم أصبحوا بغير قوة يُخشى منها .. فهم -كما يعترف كتابهم- لا يستطيعون نسيان الماضي، ولا يطمئنون للمستقبل! لذلك فما زالوا يتمنون للمسلمين السوء، ويستاءون من أي حسنة تلحقهم!
يقول المستشرق الكندي"ولفرد كانتول سميث"في كتابه"الإسلام في التاريخ الحديث Islam in Modern History"ص112:"إن أوربا لا تستطيع أن تنسى الفرع الذي ظلت تزاوله خمسة قرون متوالية، والإسلام يغزوها من الشرق والغرب والجنوب، ويقتطع في كل يوم جزءًا من أجمل أجزاء الإمبراطورية الرومانية ويكاد يستولي على العاصمة ذاتها .. ذلك الفزع لا يدانيه شيء في العصر الحديث، ولا حتى فزع أوربا من استيلاء الشيوعية على تشكيوسلوفاكيا في سنة 1946!".
ويقول المستشرق الأمريكي"ونثروب"في مقدمة كتابه"السيف المقدس The scared Sword"بعد أن لخص تاريخ المسلمين بأنهم غزوا أوربا واستولوا على أجزاء منها وصنعوا كذا وكذا .. ولكنهم اليوم أصبحوا بلا قوة، وأصبحوا خاضعين لأوربا .. يقول:"ولكن ما حدث مرة يمكن أن يحدث مرة أخرى! وإن الشعلة التي أشعلها محمد -صلى الله عليه وسلم- في قلوب أتباعه لهي شعلة غير قابلة للانطفاء!".
لذلك ما زالوا -بدافع الصليبية المتوارثة، وبدافع الخوف من المستقبل- يتمنون للمسلمين السوء. ويستاءون لما يلحقهم من خير!
"وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ".
ونعم .. كان هذا الوعد متحققًا طالما كان الشرط متحققًا .."وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا".. فأما وقد تغير حال المسلمين، فلم يعودوا يتقون، لأنهم لا يقيمون دينهم ولا يتبعون ما انزل عليهم من ربهم .. فقد صار الكيد يضر، ويمعن في الإضرار! ولن يتغير الحال إلا إذا تغير وضع المسلمين:"إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" [1] .
(1) سورة الرعد: 11.