الصفحة 265 من 379

"وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ، بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَاتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَآئِبِينَ، لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ، وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ".

وبمناسبة الحديث عن تكفل الله بأمر المؤمنين إن صبروا واتقوا يذكر حادثين كانت كفالة الله للمؤمنين هي التي حالت دون فشلهم فيهما وأدت إلى كشف الضرر عنهما: حين همت طائفتان من المؤمنين أن تفشلا والرسول -صلى الله عليه وسلم- يهيء المؤمنين للمعركة في أحد، فأدركتهما ولاية الله فاستقام الأمر، وذلك حين همت بنو حارثة وبنو سلمة أن ترجعا مع عبد الله بن أبيّ. وحين نصر الله المؤمنين ببدر وهم ضعفاء قليلو العدد قليلو العدة لا يتصور أحد أن ينتصروا على ثلاثة أضعافهم في العدد وأكثر من ذلك أضعافًا في العدة. ولكن الله أنزل ملاكئته يحاربون مع المؤمنين ويدفعون الكفار ويقتّلونهم .. وما جعل الله ذلك إلا بشرى للمؤمنين لتطمئن قلوبهم .. فالبشر دائمًا، ولو كانوا مؤمنين -بل لو كانوا أنبياء- يحبون أن يروا الدليل الملموس لتطمئن قلوبهم .. ألم تر إلى إبراهيم عليه السلام وهو نبي يخاطب ربه فيقول:"رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي" [1] والله يعلم ذلك من قلوب البشر وهو اللطيف الخبير، فيمد المؤمنين بالدليل الملموس؛ بالملائكة يرونهم رأي العين يقاتلون إلى جوارهم لتطمئن قلوبهم بتحقيق وعد الله بالنصر. ولكن النصر هو من عند الله بصرف النظر عن نزول الملائكة أو عدم نزولهم .. والسياق يلفت نظر المؤمنين إلى هذه الحقيقة:"وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ".. وقد كتب الله هذا النصر لحكمة يريدها سبحانه"لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَآئِبِينَ".."أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ"ويأتي بين هذه وتلك قوله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم-:"لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ"فليس للرسول -صلى الله عليه وسلم- شأن بنهاية المعركة ولا نتائجها! إن هذا من شأن الله وحده -سبحانه- هو الذي كتب النصر، وهو الذي حدد أهدافه ونتائجه .. إليه يرجع الأمر كله، وهو الذي يدبر الأمر كله، وهو الذي يدبر الأمر وحده بما يشاء سبحانه.

(1) سورة البقرة: 260.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت