الصفحة 266 من 379

ثم إنه يطمع الكفار في الرحمة والمغفرة إن تابوا وآمنوا، فهو يقدم المغفرة ويختم بها كذلك:"وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"..

وفي جو المعركة والقتال ينهى المؤمنين عن الربا، ويوجههم إلى المسارعة إلى المغفرة، والإنفاق في سبيل الله، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، والاستغفار للذنوب:

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ، وَأَطِيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ".

وقد يبدو هذا أول وهلة انتقالًا مفاجئًا في السياق!

ولكن التتبع الدقيق للسياق يبيّن غير ذلك!

لقد كان الحديث قبلها مباشرة عن معركة بدر التي انتصر فيها المسلمون ذلك النصر الفريد في التاريخ، والحديث بعدها يتناول معركة أحد، التي انتصر المسلمون في أولها، ثم أصابتهم الهزيمة لما خالفوا عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وهو حديث مفصل مطول يستغرق من آية 139 إلى آية 179 أو 180، ويمضي أشواطًا بعيدة في داخل المعركة وفيها حولها من شئون .. فما بال هذه التوجيهات الخلقية والروحية تعترض السياق؟

كلا! إنها من صميم السياق .. من صميم الحديث عن المعركة!

إن الإعداد الروحي والخلقي والنفسي للمعركة لا يقل أهمية بحال عن الإعداد الحربي لها سواء بالتدريب على السلاح أو بإعداد السلاح ذاته .. بل إن هذا الإعداد الروحي والخلقي والنفسي لهو صاحب التأثير الأول والأقوى، وتأتي بعد ذلك العوامل الأخرى .. على كل أهميتها!

وهذه الآيات التي تبدو معترضه في السياق، تتحدث عن هذا الإعداد المعنوي للمعركة، أو عن بعض جوانبه، ثم يستمر السياق، وهو يشير إلى معركة أحد فيتحدث عن جوانبه الأخرى ..

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ، وَأَطِيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ".

فأما علاقة الربا بالإعداد للمعركة فهي أن الربا يثير الضغائن في النفوس فلا يجعل القلوب صافية مترابطة متلاحمة كما ينبغي لها أن تكون وهو تستعد للمعركة لمواجهة العدو!

وقد يبدو لنا اليوم هذا الكلام نظريًا وخياليًا! فها هم أولاء"الخلفاء"قد انتصروا في الحرب الماضية وهم يقيمون حياتهم كلها على الربا .. والغرب كله يقيم حياته على الربا، وهو الذي يملك القوة المادية الكبرى في الأرض .. ولا يمنعهم الربا من أسباب القوة ولا من النصر!

وذلك حق ولكنه يخفي حقًا أكبر منه!

في النظرة القريبة يبدو الغرب غاية في القوة متمكنًا من النصر .. ولكن عند إنعام النظر يبدو متفسحًا في طريقه للانهيار!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت