الصفحة 268 من 379

ووصف المتقين بأنهم الذين ينفقون مما رزقهم الله يرد كثيرًا في القرآن بين صفات أخرى. أما وصفهم بأنهم الكاظمون الغيظ والعافون عن الناس فوصف يكاد ينفرد به هذا الموضع. نعم جاء التحبيب في العفو في أكثر من موضع. أما وصف المتقين به بجانب كظم الغيظ فهو الذي نقول إن هذا الموضع يكاد ينفرد به .. ونحن ننظر إليه في ضوء الإعداد النفسي للمعركة، فنرى قيمته ودلالته. إن الأمة لا تنتصر وبعضها يحمل الأحقاد والأغلال لبعض .. كما وُصِفَ اليهود في سورة الحشر:"تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى" [1] . إنما تنتصر وهي متلاحمة القلوب بالمودة. وهنا يجيء كظم الغيظ والعفو عن الناس كأداة للمودة وربط القلوب. وليس معنى كظم الغيظ حفظه في القلب فيتحول إلى ضغينة! فخير من ذلك ألا يكظم أصلًا وأن يترك يتفجر! إنما المقصود ضبطه إلى أن يهدأ، وتصريفه في هدوء، حتى ينتهي بالعفو عن المسيء! وهذا أدعى إلى المودة بين الناس. فإنك حين تطلق لغضبك العنان وأنت مستثار، تريد الثأر لنفسك، فإنك غالبًا ما تؤلم أخاك وتجرحه، وأنت تبرر ذلك في غضبك بأنه أساء إليك فمن حقك أن تسيء إليه! .. ثم يهدأ غضبك أنت، ويبقى ما أثرته في نفس أخيك! فإذا استطعت أن تضبط هذا الغضب فلا يتفجر، فسيتضاءل حجمه في نفسك من تلقاء نفسه، حتى يصبح في طوقك أن تعفو عنه وأنت مستريح الخاطر .. ولا تكون قد أحدثت في نفس أخيك الإساءة التي تحتاج في محوها إلى جهد!

وفي ضوء الإعداد للمعركة تكون هذه وسيلة هائلة لارتباط القلوب وتلاحمها، ومرشحًا من مرشحات النصر .. وقد كان كذلك المسلمون، يدخلون المعركة متصافية قلوبهم .. فيتفرغون بكل مشاعرهم للمعركة .. وينتصرون ..

"وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ".

إن السياق هنا يستوقفنا وقفات ..

فالواو في"وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً"قد تكون عطفًا:"وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ .."ويمكن أن تكون استئنافًا. فتكون"وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"إتمامًا للكلام السابق ويبدأ بعدها كلام جديد .. وأنا أميل إلى الأولى وإن كانت الثانية هي ظاهر النص ..

ثم إن الحديث عن مغفرة الله الواسعة التي تتسع للذين"فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ"تجيء بعد دعوة المؤمنين أن يعفو بعضهم عن بعض. فكأنما يقول لهم: انظروا إلى مغفرة الله الواسعة كيف تتسع حتى للفاحشة وظلم النفس .. ألا يغفر بعضكم لبعض في صغائر الأمور؟!

(1) سورة الحشر: 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت