الصفحة 269 من 379

ثم هذه الرحمة الشاملة من الله سبحانه لعباده حتى وهم يخطئون! ويخطئون الخطأ الضخم .. ما داموا لا يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون. وما داموا يذكرون الله فيستغفرون لذنوبهم .. وأعجب ما في هذه الرحمة أن يقول:"أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ"إنه يعتبرهم من العاملين .. أولئك المخطئين الذين فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم!! نعم .. إن العمل هو التوبة. هو الاستغفار. هو مجاهدة النفس لكي تعود إلى المعصية .. هذا هو العمل الذي من أجله أنعم الله عليهم بالجنة وسماهم العاملين!

وهذا كله يجيء في معرض الحديث عن المعركة .. فما دلالته؟

إن القرآن -وهو يعد المسلمين للمعركة- يريد أن يصفي نفوسهم تمامًا لكي يخلصوا لمعركة الجهاد في سبيل الله لا يعطلهم شيء على الإطلاق! لا تعطلهم الأضغان التي يثيرها الربا. ولا تعطلهم الأضغان التي تثيرها النزاعات الصغيرة بين البشر. ولا يعطلها الإحساس بالذنب! وإن الإحساس بالذنب من أكبر المعوقات عن الاقتحام .. إنه قيد يغل النفس فلا تنطلق .. وثقل يدفعها إلى التخاذل والانكسار!

وفي سبيل تصفية نفوسهم من كل معوق، يخلصهم كذلك من الإحساس بالذنب، بفتح باب المغفرة على مصراعيه، للذاكرين والمستغفرين! فيا لها من رحمة! .. ويا لها من تربية! .. ويا له من إعداد شامل للمعركة لا يفوته شيء!

وقبل أن يستمر السياق في عرض جوانب أخرى من الإعداد الروحي للمعركة يقول:

"قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ، هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ".

وهذا التوجيه قد يكون موجهًا للمؤمنين، كما قال لهم من قبل"وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ"فيكون أمرًا بالاستقامة على طريق الله، عن طريق الإشارة إلى عاقبة المكذبين لكي يتجنبها المؤمنون. وقد يكون موجهًا إلى الكفار الذين فرحوا بانتصارهم في أحد، التي سيتحول السياق إلى الحديث عنها، فيكون معناه: لا تفرحوا لهذا النصر العارض، فقد خلت من قبلكم سنن لا تتخلف. وهذه السنن تؤكد أن النهاية بالنسبة للمكذبين هي الدمار والهلاك، مهما أحرزوا من جولات منتصرة قبل اللحظة الحاسمة. وقد يكون شاملًا للفريقين معًا:"هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ"غير المؤمنين"وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ"..

ثم يتحدث عن هزيمة أحد التي أصابت المسلمين بسبب مخالفتهم لأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم، نبيهم وقائدهم في المعركة، حديثًا مستفيضًا متعدد الجوانب والإشارات واللمحات .. وكله في سبيل الإعداد الروحي والنفسي والخلقي للمعركة:

"وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ".

"وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت