الصفحة 270 من 379

لا تهنوا بسبب الهزيمة التي لحقتكم في أحد، ولا تحزنوا .. فالحزن شعور مُقْعِد .. يفتت العزيمة ويقعد الهمة .. وأنتم الأعلون -رغم هزيمتكم- إن كنتم مؤمنين! فالاستعلاء ليس بالنصر في المعركة. وليس بالقوة العسكرية أو المادية .. الاستعلاء بالإيمان! بالشعور بأنكم مهتدون إلى الحق الرباني وسائرون على هداه. هذا هو مصدر استعلاء المؤمن، ولو مرت به هزيمة عابرة .. فالهزيمة لا تمس مصدر استعلائه وهو الإيمان ..

ولقد وعى المسلمون هذا الدرس منذ نزلت عليهم هذه الآية فما عادوا يستمدون الاستعلاء من غير الإيمان. وما عادت هزيمة عابرة، أو نقص في العدد أو العدة يُذْهِبُ عنهم استعلاءهم .. ما داموا مؤمنين!

في الحروب الصليبية الأولى مرت عليهم هزائم متكررة، بسبب ما كانوا عليه في مبدأ الأمر من تفرق وانشغال عن الجهاد، حتى قيض الله للأمة القائد المؤمن صلاح الدين، الذي راح يذكي العقيدة في النفوس، ويقول للناس: لقد هزمتم بسبب بعدكم عن الله، ولن تنتصروا حتى تعودوا إلى الله .. فعادوا .. وانتصروا .. فقد كانت جذوة الإيمان ما تزال كامنة في القلوب وإن علاها شيء من الرماد ..

وعلى الرغم من هذه الهزائم المتكررة في مبدأ الأمر .. وعلى الرغم من أن الصليبيين تمكنوا من إقامة دولة في الشام استمرت مائتي عام .. فلم يتخلى عن المؤمنين استعلاؤهم .. ولا أحسّوا -رغم هزيمتهم- أن الصليبيين خير منهم! بل كانوا يحتقرون فسادهم الخلقي وتحللهم، ويحتقرون نمط حياتهم كله .. ذلك أنهم كانوا يستعلون بالإيمان .. أو ببقية الإيمان .. فيعرفون أن طريقهم هو الأفضل ولو كانوا مهزومين!

كذلك حين غلبهم التتار وأزالوا دولتهم في المشرق، حتى قيض الله للأمة القائد المؤمن قطز .. الذي صاح صيحته المشهورة: وا إسلاماه! وانتصر على التتار في موقعة عين جالوت .. كذلك لم يتخلوا يومئذ عن استعلائهم بالإيمان .. أو ببقية الإيمان .. ولم يحسوا أن التتار خير منهم بسبب انتصارهم على المؤمنين. بل كانوا يحسون -في مرّ لحظات الهزيمة- أنهم هم الأفضل لأنهم مؤمنون!

في الحروب الصليبية الحديثة فقط، أحس المسلمون لأول مرة بالهزيمة الروحية .. وبأن الصليبيين المنتصرين خير منهم! ذلك أن جذوة الإيمان كانت قد خبت في قلوبهم كثيرًا خلال قرون متوالية، وتحولت إلى مظاهر خاوية من الروح. عند ذلك زايل المسلمين استعلاؤهم، لأن عنصر الاستعلاء الحقيقي كان قد زايل القلوب! وانبهر المسلمون -لأول مرة في تاريخهم- بما عند أعدائهم فراحوا ينقلون عنهم .. لم ينقلوا"العلوم"كما نقلوا مرة من قبل في مبدأ حياتهم -ولا ضير- ولم ينقلوا"التنظيمات"النافعة كما فعلوا مرة من قبل في مبدأ حياتهم -ولا ضير- إنما نقلوا"النظم"ونقلوا التصورات والمفاهيم والمعايير الخلقية والسلوكية .. وتركوا ما عندهم من ذلك كله في كتاب الله وسنة رسوله .. وسيظلون في غمرتهم تلك سادرين حتى تستيقظ في قلوبهم جذوة الإيمان من جديد .. فيحسوا بالاستعلاء من جديد، ويعرفوا أن ما عندهم خير مما عند أعدائهم، مما كان من قوة أعدائهم المادية في الوقت الحاضر .. وينقلوا العلوم فقط والتنظيمات التي يحتاجون إليها، ولا ينقلوا النظم والتصورات والمفاهيم والمعايير ..

"إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت