فهرس الكتاب
يشير إلى ما أصاب"القوم"من قبل في موقعة بدر. فلئن كان قد أصابكم قرح في أحد، فقد أصابكم قرح مثله في بدر. وتلك الأيام من نصر وهزيمة يداولها الله بين الناس .. فلا يظل المنتصر منتصرًا أبدًا، ولا المهزوم مهزومًا أبدًا لحكمة يريدها هو سبحانه .. وقد بين هنا بعض حكمته من هذه الشدائد التي تصيب المؤمنين:"وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا"وعلم الله سابق في الأزل، فهو لا يعلم الحدث عند وقوعه، وإنما هو معلوم عند الله منذ الأزل، منذ قدرة الله سبحانه وتعالى. إنما المقصود بروز هذه الحقيقة حتى تعلم في عالم الناس. أي ليكشف الله للناس عن المؤمنين،"وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء".. فهذا هدف من أهداف المحنة: أن يتخذ الله من المؤمنين شهداء. وسواء كان الشهداء بمعنى الذين استشهدوا في سبيل الله وهو الأقرب، أو بمعنى الذين ثبتوا على الإيمان فأصبحوا بذلك شاهدين على صدق هذا الدين .. أو هما معًا .. فإن من أهداف المحنة أن يبرز الله رجالًا مؤمنين يثبتون على الإيمان وقت الشدة -سواء قتلوا أو بقوا- لا يفرطون في عقيدتهم، ولا يشترون بها ثمنًا ولو كان الثمن هو حياتهم .. لأن هؤلاء"الشهداء"هم قوة لهذا الدين، ونماذج تحتذيها الأجيال من المؤمنين -بالإضافة إلى منزلتهم الخاصة عند الله، التي سيتحدث السياق عنها في موضعين تاليين -فحين يكون اتخاذ الشهداء هدفًا ربانيًا فهو لصالح هذا الدين، ولصالح هذه الصفوة الممتازة التي اختارها الله من بين عباده فيخصها برحمته ومغفرته ونعيمه ورضوانه .. وكذلك يبرز الخير العميم من خلال هذا الضر الذي يتأذى منه الناس، ويودون لو لم يكن قد حدث! ..
"وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ".
والتمحيص لا يتم إلا من خلال الابتلاء الشديد! هكذا اقتضت حكمة الله! وقد سبق الحديث من قبل عن الابتلاء والتمحيص [1] . ولكن هنا يزيد السياق"وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ".. ومتى يقول ذلك؟ والمسلمون منهزمون في المعركة! يقول لهم إن من حكمة هذا الابتلاء بالهزيمة تمحيص المؤمنين، وتخليصهم من بعض ما علق بنفوسهم من أوشاب، وتجريد نفوسهم لله وللحق وللجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله .. ثم يمحق الكافرين، بأولئك المؤمنين الذين محصوا في المحنة، فصلبت نفوسهم وصفت أرواحهم وتجردوا لله.
وظاهر أن السياق يرتب أحد الأمرين بعد الآخر، ويرتبه على الآخر .. يأتي التمحيص للمؤمنين أولًا ثم يأتي المحق للكافرين بعد ذلك. ومحق الكافرين يأتي نتيجة لتمحيص المؤمنين .. فلا بد أن يحدث التمحيص ليحدث المحق .. وتلك كلها من أهداف الابتلاء، الذي يظنه الناس شرًا كله .. فإذا فيه كل ذلك الخير!
"أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ".
وهو سؤال إنكاري يفيد أنه لا يمكن أن تدخلوا الجنة قبل أن يبرز الله الذين جاهدوا منكم والذين صبروا بحيث يعرف جهادهم وصبرهم. ولا يتم ذلك إلا بالامتحان والابتلاء .. الذي يتميز فيه المجاهدون والصابرون.
(1) راجع سورة البقرة عند الحديث عن آية"أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ..".