فهرس الكتاب
"وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ، وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ، وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلًا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ".
من هنا يبدأ عتاب حاد للمؤمنين بشأن موقفهم في أحد ..
لقد عصوا أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فغادروا جبل الرماة قبل أن تنتهي المعركة، وقبل أن يتلقوا أمرًا من القائد صلى الله عليه وسلم- بمغادرة المكان الذي أمرهم ألا يغادروه. فانتهز المشركون الفرصة وكروا على المؤمنين على حين غرة منهم فأحدثوا ارتباكًا شديدًا في صفوفهم .. وسرت إشاعة بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد قتل، فزادهم ذلك ارتباكًا، وفي هزة المفاجأة رأى بعضهم أنه لم يعد هناك إذن ما يدعوهم للاستمرار في القتال ما دام الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد قتل!
فهنا يعاتبهم على هذا الموقف عتابًا شديدًا بقدر عظم المخالفة أوا لمخالفات التي وقعت منهم:
"وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ".
إن الإنسان قد يتمنى الموت -صادقًا- ثم يهتز حين يجابهه بالفعل فينقلب على عقبيه .. لا لأنه لم يقدر معنى الموت- وإنما لأنه رسم في خياله صورة معينة للموت، وأعد نفسه لها. فإذا جاءه الموت من طريق آخر غير الذي تصوره وأعد نفسه له اضطرب للمفاجأة!
وهذا هو الذي حدث للمؤمنين في أحد. لقد خرجوا صادقي النية للجهاد في سبيل الله، وللموت في سبيل الله. ولكنهم تصوروا أنفسهم يقاتلون الأعداء وجهًا لوجه -على تمكين- فيقتلون ويُقتلون! وكذلك فعلوا في الجولة الأولى من المعركة وكان النصر حليفهم .. فلما حدثت المفاجأة غير المتوقعة، وفاجأهم الموت من غير الطريق الذي رسموه لأنفسهم وأعدوا أنفسهم للقائه .. أصابهم الارتباك ففروا .. ومع علم الله سبحانه وتعالى أنهم لم يفروا خيانة ولا تخليًا فإنه يشدد عليهم لأن هذا الذي حدث ما كان ينبغي له أن يحدث!
"وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ".
وحين ننظر إلى الموقف بمنطقنا نحن البشر فإننا نرى أن الذين اهتزوا حين سمعوا إشاعة مقتل الرسول -صلى الله عليه وسلم- كانوا معذورين! فإن زعيمًا عاديًا، أو قائدًا عاديًا يمكن أن يكون غيابه عن أتباعه بالموت أو القتل -وخاصة في أثناء المعركة- سببًا في اهتزازهم واضطرابهم .. فما بالهم حين يكون هذا الزعيم والقائد هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم، أعظم من حملت الأرض في تاريخها كله؟ وما بالهم حين يكون أتباعه ممتلئ النفوس به كما لم يحدث قط لزعيم، أو قائد في تاريخ البشرية كله؟!
كيف يُحْدِث الفراغ المفاجئ في نفوسهم؟!
إنه لموقف لا يصمد له إلا أولو العزم من البشر .. وقليل ما هم!
بل إن الهزة -حين وقعت فعلًا بموت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد هزت حتى أولي العزم .. وعلى رأسهم عمر بن الخطاب -رضي الله عننه-!
ومع ذلك فإن التربية القرآنية تريد أن ترفع المسلمين إلى أعلى ما في طاقة البشر أن يرتفعوا إليه! لا بالقسر .. فالقسر هنا لا يمكن أن يثمر .. ولكن بالتربية .. بالتوجيه .. بمخاطبة الوجدان والمشاعر ..