الصفحة 273 من 379

وقد يكون التوجيه حادّا .. كما هو في هذا الموضع .. ولكنه مؤثر، ومن أجل ذلك مثمر ..

إنه لا يريد -هنا- أن يقرهم على"الضعف البشري"كما يقرهم عليه في مواطن أخرى ["كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ"] لأن الموقف هنا دقيق وحاسم في وسط المعركة القائمة بالفعل. ولا يكون لإقرار الضعف البشري نتيجة إلا المزيد من الخلخلة في الصف والمزيد من الانفلات ..

إنما هنا ينبغي التوجيه للعزيمة .. فهذا هو التوجيه الذي يرد النفوس من انفلاتها، ويذكرها بواجبها فتتماسك، ولا تسمح للصدمة أن تذهلها عن واجبها .. فتحدث الصدمة، نعم، لا محالة، ولكن تبقى العزيمة ويبقى التماسك كما حدث يوم وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالفعل.

لذلك كانت هذه اللهجة الحادة:

"وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ، وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلًا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ".

ونلاحظ هذا التكرار في"وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ""وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ".. إنه تهديد خفي! خاصة بعد قوله"وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا"وقوله"وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا"إن معنى التهديد الخفي أنه إن تخليتم فإن الله ينفض يده منكم، ويدعكم لشأنكم، ثم يصطفي المستقيمين منكم على أمره، أو يستبدل قومًا غيركم ويأتي بقوم آخرين شاكرين لله .. أي طائعين منيبين متقين مستقيمين، فيخصهم بالأجر والثواب دونكم! كما قال في سورة المائدة:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" [1] .

ثم يضع أمامهم صورة للمجاهدين الصابرين لكي يروا الفرق بين ما فعلوه وما كان ينبغي عليهم أن يفعلوه. وهي صورة شفيفة عميقة التأثير:

"وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ، وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ".

"وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ ..".

وهي صيغة تفيد التكثير .. ومعناها: كثير هم الأنبياء الذين قاتل معهم المقاتلون من أتباعهم فما وهنوا ..

إنهم ليسوا إذن أمثلة عابرة في التاريخ، بل كثرة .. ومن ثم يبدو سلوك الذين انفضوا عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الموقعة سلوكًا شاذًا بالنسبة للكثرة من أتباع الرسل! وسلوكًا ما كان ينبغي أن يحدث!

(1) سورة المائدة: 54.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت