فهرس الكتاب
ثم هذه الصورة الجميلة لأولئك الثابتين في القتال مع أنبيائهم:"فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا .."إن هذا التفصيل في موقفهم يوحي بالحفاوة الربانية بهم، والرضى عنهم، والإشادة بهم .. وذلك كله في موقف العتاب للمؤمنين! ثم هذا التفصيل مقصود لغرض آخر تربوي توجيهي .. ذلك أنه يرفع الصورة أمام المؤمنين ليتملوها، ليكونوا مثلها ... ومن ثم فإن كثرة التفاصيل في السورة معين على تدبر الدرس ووعيه، والإفادة منه في المستقبل. وهذا التعقيب"وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ"هو كذلك توجيه تربوي، معناه: كونوا صابرين -مثل هؤلاء- ليحبكم الله ..
واستمرارًا لإعطاء التفصيلات في الصورة يأتي:"وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ".. فيحقق ذلك أهدافًا كثيرة في آن واحد ..
إنها وصف للسلوك الواجب والمستحب في مثل هذا الموقف .. يكمل الصورة الشفيفة لأولئك المقاتلين الصابرين.
وتوجيه للمؤمنين في ذات الوقت أن يستغفروا لذنوبهم وأن يكون دعاؤهم أن يثبت الله أقدامهم لكي لا تزل كما زلت، وأن ينصرهم على القوم الكافرين، فلا تحل بهم الهزيمة كما حلت ..
ثم هنا لفتة في"وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا".
إنه في مكان آخر [سورة البقرة: 250] يقول:"وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ".
ولكنه هنا -والمؤمنون قد أسرفوا في أمرهم في وقعة أحد- يوجههم- من خلال هذه الصورة التي يرفعها أمامهم- بما ينبغي عليهم أن يفعلوه لكي يستقيموا على الأمر، فيضيف في اللوحة هذه العبارة:"ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا"ليقرأها المؤمنون في اللوحة ويجعلوها في دعائهم! وهي لفتة دقيقة إلى نفوس المؤمنين وما يعتمل في داخلها، ثم توجيه لهم بما ينبغي عليهم ليخرجوا من موقفهم!
ثم تجيء نتيجة هذا الدعاء، وثمرة هذا الموقف المتجرد لله:"فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ".
وواضح بطبيعة الحال التفرقة في التعبير بين ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة .. فثواب الآخرة هو الأحسن والأفضل، حتى حين يكون ثواب الدنيا ممنوحًا من الله لعباده رضاء عنهم، ومكافأة لهم على استقامة موقفهم! وذلك لكي تظل قلوب المؤمنين معلقة بثواب الآخرة أبدًا، لا تنشغل عنه بثواب الدنيا ولو كان من فضل الله ورحمته، لا استدراجًا ولا فتنة!
وواضح كذلك أن هذا العرض المفصل في وصف"المكافأة"التي أعطيت للمقاتلين الصابرين، هي توجيه تربوي لحفز همم المؤمنين أن يكونوا بحيث يستحقون مثل هذه المكافأة السخية من فضل الله!
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ، بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ، سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَاوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ".