الصفحة 275 من 379

يجيء هذا التحذير للمؤمنين من إطاعة الذين كفروا، لأن الكفار في المدينة -سواء من قبائل العرب التي لم تسلم بعد أو من اليهود -ومعهم المنافقون الذين يلوذون بهم، قد استغلوا جو الهزيمة في أحد ليثبطوا المؤمنين عن القتال ويحذروهم عواقبه، من أنهم لن يستطيعوا الانتصار على أعدائهم، ولن يصيبهم من القتال إلا الخسارة! فهو يحذرهم أن يستمعوا لهذه الأقاويل، وهم في حالة انكسارهم عرضة لأن تؤثر فيهم تلك الدعاية المسمومة .. ويجابههم بنهاية الاستماع للكفار والطاعة لتوجيهاتهم .. إنها الكفر! وذلك لكي يوقظهم إلى أنها ليست مسألة صغيرة ولا هينة. إنها الارتداد عن الإسلام. وإنها هي الخسارة الحقيقية. وليست خسائر المعركة من الخسارة!

"بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ".

وكأن السياق يقول: لا تطيعوا الذين كفروا ولا تتولوهم .. بل الله مولاكم.

ويحتمل السياق كذلك معنى آخر: لا تصدقوا قول القائلين لكم -ليخذّلوكم- أن الله قد تخلى عنكم بعد بدر، وترككم للهزيمة .. بل الله مولاكم، وهو خير الناصرين.

ثم يقوي قلوب المؤمنين لكي لا تؤثر فيها تلك الدعاية المسمومة التي يوجهها إليهم الكفار والمنافقين، مستغلين جو الهزيمة:

"سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ..".

إن جو الهزيمة دائمًا يكبر قوة العدو عن حجمها الطبيعي فتبدو ضخمة، وتبدو قوة المنهزم أمامها صغيرة .. لذلك يطمئن السياق المؤمنين بأن الكفار لن ينتصروا عليهم في المواجهة القادمة، بل سيلقي الله في قلوبهم الرعب، لسبب أصيل في سنة الله:

"سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا".

فهذا إذن خط أصيل في سنة الله، أن ينهزم المشركون بالرعب حين تواجههم الفئة المؤمنة ولو كانت أقل منهم عددًا وعدة .. وأن يكون هذا الرعب هو الجزاء الدنيوي على إشراكهم بالله ما لم ينزل به سلطانًا .. أما في الآخرة فجزاء آخر:

".. وَمَاوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ".

ولقد كانت هذه السنة متحققة بالفعل في أول المعركة .. لأنها سنة جارية ما دامت الفئة المؤمنة قد وجدت، وتربت على الإيمان وثبتت عليه، ومحصت قلوبها .. فعندئذ يجيء محق الكافرين:"وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ" [1] ولا تتخلف هذه السنة أبدًا إلا لمخالفة تقوم بها الفئة المؤمنة فيصيبها جزاء المخالفة:

"وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ".

صدقكم الله وعده .. وجرت السنة على خطها الأصيل، فانتصرتم عليهم لأنكم أنتم الفئة المؤمنة وهم المشركون الذين أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا .. وكان الانتصار في صورة اجتثاث للكفار (إذ تحسونهم: أي تجتثونهم) بإذن الله وتقديره وحسب سنته .. حتى إذا وقعت منكم المخالفة، فتنازعتم وعصيتم .. ومتى؟!"مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ"وهو النصر .. فعندئذ وقع جزاء المخالفة وهو الهزيمة ..

".. مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ".

قال بعض الصحابة لما نزلت هذه الآية: ما كنا نعلم أن منا من يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية!

(1) سورة آل عمران: 141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت