الصفحة 276 من 379

وليست إرادة الدنيا هنا بمعناها الذي يرد في شأن الكفار، إذ تصدهم عن الإيمان بالله، ولا بمعناها الذي يرد في شأن المنافقين، إذ تصدهم عن الجهاد في سبيل الله. إنما هي إشارة للمقاتلين على جبل الرماة الذين نزلوا من الجبل مخالفين لأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- خوفًا على نصيبهم من الغنيمة .. فهنا يجسم السياق مخالفتهم ليبرزها أمام أعينهم لكي يستفظعوها، فلا يعودوا لمثلها أبدًا. والتعبير مع ذلك يذكر حقيقة واقعة: أنهم من أجل الغنائم، وهي من أمور الدنيا، وقعوا في المخالفة. ولكن يجيء إيحاء التجسيم والتفظيع من أن السياق القرآني دائمًا يلصق إرادة الدنيا بالكفار والمنافقين، بوصفها هي التي تصدهم عن الإيمان أو الجهاد .. فإذا رأى المؤمنون صورة أنفسهم فيها .. إذا رأوا أنفسهم يوصفون بذات الوصف الذي يوصف به الكفار والمنافقون -وإن كان بمعنى آخر- فزعوا من تشابه الوصف وتشابه الصورة، فلم يعودوا يرتكبون ما تسبب عنه وصفهم بهذه الصفة الرهيبة، وابتعدوا جهدهم عن هذا الطريق حتى لا ينالهم أي وصف يوصف به الكفار والمنافقون!

"ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ..".

في مبدأ الأمر صرفكم إليهم تجتثونهم من جذورهم، تحقيقًا لسنة الله الجارية بعد قيام الفئة المؤمنة في الأرض .. والآن صرفكم عنهم .. لأنكم خالفتم .. فلم يعد قتالكم موجهًا إليهم، ولا مؤديًا إلى اجتثاثهم! وذلك ليبتليكم بمخالفتكم ..

"وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ"..

إن الله لم ينفض يده من الفئة المؤمنة جزاء مخالفتها! إنه يعلم صدق قلوبهم، وصدق توجههم .. وإنما هي زلة عارضة أصابتهم حين جنحوا لأمر من أمور الدنيا، تضخمت قيمته في حسهم أكثر مما ينبغي، فأنستهم -لحظة- أنهم جاءوا لقيمة أكبر وأهم، هي إعلاء كلمة الله في الأرض. وهي الجهاد في سبيل الله. وهي الجنة ...

ومن أجل هذه الزلة ابتلاهم بالهزيمة، ليتيقظوا إلى نتيجة مخالفتهم، ونتيجة الاهتزازة العارضة التي أصابتهم .. ولكنه -أبدًا- لم ينفض يده منهم .. إنما عفا عنهم .. والله ذو فضل على المؤمنين .. عفا عنهم في النهاية حين علم أن قلوبهم قد صفت وصغت وزالت عنها تلك الاهتزازة العارضة فعادت إلى نبضها الأصيل!

ثم يأخذ في عرض صورة دقيقة لما حدث في المعركة، كأنها المرآة يرون أنفسهم فيها، أو كأنها شريط للأحداث يعرض عليهم ليروا أنفسهم فيه!

إنها طريقة من طرق التربية بالغة التأثير ..

ولقد اهتدت بعض طرائق التربية المعاصرة إلى شيء شبيه بذلك لمعالجة بعض العادات السيئة التي تصبح"لازمة"عند بعض الأفراد لا يستطيعون الخلاص منها، فيؤخذ لهم -دون أن يلحظوا- شريطًا من الصور وهم يأتون هذه العادات السيئة، ثم يعرض الشريط على صاحبه وهو جالس بمفرده، حتى لا تجرح كرامته بالعلانية والتشهير .. فيشاهد نفسه"متفرجًا"فينفر من الصورة التي يراها أمامه، ويحس أن الناس"المتفرجين"ينفرون منها ولهم الحق في ذلك! فيدفعه ذلك إلى إبطال العادة السيئة التي تلازمه، سواء كانت حركة عصبية غير واعية، أو وضع الإبهام في الفم، أو قرض الأظافر أو ما شابه ذلك من الحركات والعادات!

والقرآن يسبق بهذه الطريقة الناجعة في التربية ..

إن الإنسان لا يرى نفسه على حقيقتها أبدًا! ولا يرى كيف تكون صورة العمل الذي يأتيه ولا تأثيره عن الآخرين .. إلا أن يعرض عليه شريط بأعماله، يراه في موضع المتفرج، فيراه على حقيقته!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت