فهرس الكتاب
وهنا يعرض السياق صورة دقيقة معبرة متحركة، ترسمها الألفاظ في دقة معجزة، فتسجل فيها حال المؤمنين وقت المعركة .. ثم تعرض الصورة على المؤمنين فيرون أنفسهم فيها، ويرون الصورة الحقيقية لفعلهم .. فينفرون من الصورة، فلا يعودون لمثلها أبدًا!
"إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمًَّا بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ".
"إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ ..".
كلمات قليلة تعطي صورة كاملة للاضطراب والخلل الذي وقع في صف المسلمين حين فوجئوا بهجوم العدو المباغت .. إذ يصعدون في الجبل منفلتين لا يلتفتون لأحد ولا لشيء، ولا يتوقفون ليتبينوا، ولا يتمهلون ليفكروا!
"وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ..".
ولكنهم في اضطرابهم لا يتبينون صوت الرسول -صلى الله عليه وسلم، ولا يستجيبون للصوت الذي يناديهم .. لقد انفرط العقد وانفلتت كل حبة وحدها في حركتها الذاتية لا تستجيب لحركة الأخرى ولا تتوجه إليها!
"فَأَثَابَكُمْ غُمًَّا بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ".
ولا يحدد السياق هنا الغم الأول الذي أثابهم به الغم الثاني .. لذلك اختلف المفسرون في تفسيره. هل هو موت الشهداء السبعين في أحد مقابل عدم قتل أسرى المشركين في بدر والاكتفاء بأسرهم، والذي نزل بشأنه في سورة الأنفال:"مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ" [1] أم هم الغم الذي أحدثوه في نفس الرسول -صلى الله عليه وسلم- بفرارهم عنه، وإصابته بما أصابه يومئذ من جراح وآلام، فأثابهم به الغمّ الذي أصابهم من الهول والاضطراب والهزيمة .. ؟
وأيًّا يكن الأمر فقد أحس المؤمنون بغم شامل ثقيل يغشى نفوسهم بعد أن انجلت المعركة ... والسياق يقرر أن الله قد أثابهم هذا الغم لكي لا يحزنوا على ما فاتهم ولا ما أصابهم .. أي لكي يصرفهم عن الحزن على ما فات .. وقد يكون المقصود لفت نظر المؤمنين إلى أن تداول النصر والهزيمة هو من سنن الله الجارية فلا ينبغي أن يحزنوا إذا أصابتهم هذه السنة، بل ينبغي أن يتعلموا منها الدرس فيعدّوا عدة النصر ليطمعوا في عون الله لهم.
"ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ ..".
(1) سورة الأنفال: 67 - 68.