الصفحة 278 من 379

وتلك كانت المرحلة الأخيرة في علاج نفوسهم برحمة غامرة من عند الله .. إذ يغشيهم النعاس وهم آمنون .. وما أشد ما يتغير الجو النفسي بعد لحظة نعاس!! إن هذه اللحظة -وقد تكون قصيرة- كأنما تعيد تشكيل النفس من داخلها، فتمسح تمامًا كل أثر للحظة السابقة ويصحو الإنسان بمشاعر مختلفة تمامًا كأنه قادم من عالم جديد غير الذي كان فيه منذ لحظات! وتلك رحمة الله أحاطت بقلوب المؤمنين المستسلمين لله، المسلمين قلوبهم له، المطمئنين في رحابه .. مسحت على شجونهم وآلامهم، فاستيقظوا بأرواح مطمئنة ونفوس صافية ...

أما الطائفة الأخرى فإنها لم تنعم بهذه الرحمة السابغة لأن قلوبها لم تخلص بعد لله:

"وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ ..".

وما دامت أنفسهم ما زالت هي محور اهتمامهم، فإنهم إذن لم يَخْلُصوا لهذه العقيدة بعد!

إنه لا يتم الخلوص لله ولدين الله، حتى يكون الإنسان قد أسلم نفسه كلها لله:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ" [1] .. ادخلوا جميعًا، وبكافة أنفسكم، ما أشرنا من قبل [2] .

وحين يسلم الإنسان نفسه كلها لله لا تعود نفسه هي التي تهمه، إنما يكون دين الله هو الذي يهمه. وتكون نفسه مستسلمة لقدر الله، راضية بما يصيبها في سبيل الله، مدركة في ذات الوقت أن هناك حكمة وراء قدر الله سواء عرفها الإنسان لوقتها أم لم يعرفها ..

والاستسلام لقدر الله ليس معناه الاستسلام للهزيمة أو للمرض أو للفقر أو للظلم الذي يقع على الإنسان في الأرض من الجبارين والطغاة، وليس معناه العجز والقعود أو ما يفهم الناس من لفظ"الاستسلام"من السلبية الكاملة تجاه الأحداث [3] .

إنما معناه الرضى النفسي بما يأتي من عند الله -بعد أن أدى الإنسان واجبه جهادًا وعملًا وتوكلًا على الله وأخذًا بالأسباب- ثم العودة في ذات الوقت إلى الجهاد والعمل والتوكل على الله والأخذ بالأسباب من جديد، انتظارًا لقدر من الله جديد، ورجاء في قدر من الله جديد .. وبذلك لا تحطم الهزيمة روح الإنسان، ولا يحطم المرض روح الإنسان، ولا يحطم الظلم روح الإنسان .. لأن في حس الإنسان المؤمن أن هذا ابتلاء من الله له، له عليه الثواب الضخم حين يصبر عليه ولا ييأس من رحمة الله. وفي الوقت ذاته لا يقعد عن مجاهدة الهزيمة أو المرض أو الفقر، أو الظلم .. الخ لأن الله أمره بمجاهدته، ولأنه -دائمًا- يطمع في عون الله له كلما جاهد في أمر من الأمور.

فالاستسلام لقدر الله إذن -كما أشرنا من قبل- هو صون للطاقة أن تتحطم وتتبدد إزاء الأحداث، وهو حافز إلى معاودة الجهد والعمل بنفس راضية مطمئنة مطلعة إلى قدر الله ..

وحين يصل الإنسان إلى هذه المرتبة من الإيمان لا تعود نفسه هي التي تهمه إنما يكون دين الله، ولا يعود ما أصابه في سبيل الله هو شغله الشاغل، إنما يكون التهيؤ للعمل من جديد في سبيل الله.

وهي مرتبة عالية ولا شك .. ولا تجيء لكل الناس دفعة واحدة ومن أول خطوة في الطريق! وإنها لفي حاجة إلى مجاهدة طويلة للنفس وأهوائها وهواتفها وجواذبها حتى تَخْلص إلى الله!

ولكنها -حين يصل الإنسان إليها- مرتبة شفيفة وضيئة جميلة .. تستحق كل ما يبذل فيها من الجهد .. ويكفي جزاء على الجهد رضوان الله!

والإسلام لا يقتلع الناس من الأرض اقتلاعًا ليقذف بهم إلى تلك القمة الرفيعة السامقة. ولا يجذبهم جذبًا يقطّع أوصالهم!

(1) سورة البقرة: 208.

(2) راجع الحديث عن هذه الآية في سورة البقرة.

(3) راجع الكلام عن القضاء والقدر في الفصل الأول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت