الصفحة 279 من 379

ولكنه -وهو الرحمة كلها، والهدي الرباني الرفيق- يأخذ بأيدي الناس خطوة خطوة على المرتقى حتى يصلوا إلى هناك .. فإذا وصلوا -بعون الله وتوفيقه- زين لهم البقاء هناك وحببه:"إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ، نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ" [1] .. ثم إذا زلوا مرة لم يطردهم من رحمته، إنما عاونهم على الصعود من جديد:"وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ"..

أما الذين ما زالوا في السفح، فأولئك الذين أهمتهم أنفسهم لأنهم لم يَخْلُصوا لله بعد، فلم يستطيعوا أن يستسلموا لقدر الله!

".. وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ".

أولئك لم تمر الهزيمة سهلة في نفوسهم .. والهزيمة لا تمر سهلة في نفس أحد على الإطلاق. ولكن فريقًا يأسى لما أصاب دين الله. وفريقًا يأسى لما أصابه هو شخصيًا من خسائر في صورة قتل وجراح! وشتان ما بين أسى وأسى، وما بين شعور وشعور!

ثم يتوب الفريق الأول إلى الله فيستسلم لقدره -بمعنى الرضاء النفسي والطمأنينة- ويحشد طاقته لجولة جديدة في المعركة، ويظل الفريق الثاني يتقلب في حسرته لا يثوب، لأن محور حسرته هو شخصه، وهو خسارته الشخصية .. فلا يستطيع أن يدرك الأمور على حقيقتها، ويظن بالله غير الحق، ظن الجاهلية، فيتساءل:"هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ"ذلك أنهم يظنون أنهم قد أصابهم ما أصابهم لأنه لم يؤخذ برأيهم في البقاء في المدينة وعدم الخروج منها .. وأنه لو أخذ برأيهم ما قتلوا في هذا المكان!

وقبل أن يعرض تفصيل ما في نفوسهم يرد سريعًا على تساؤلهم، فيقول:"قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ"تصحيحًا لظنهم بالله غير الحق، ظن الجاهلية، أنه يمكن أن يكون مع الله شيء أو أحد له من الأمر شيء! ثم يعود بعد تفصيل ما يدور في نفوسهم، وإظهاره من الخفاء الذي يحيطونه به في أنفسهم .. يعود فيرد مرة ثانية، فيؤكد ذلك المعنى، أنه لا أحد له من الأمر شيء على الإطلاق، وأن الأمور تقع بقدر من الله لا بتدبير العبيد من هنا أو من هناك!

".. وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ...".

تعبير عجيب، يضع النفس البشرية إزاء قدر الله في موضع حاسم لا فرار منه!

إن فلانًا من الناس لا يقتل لأنه أُخْرِج من بيته أو من بلده بغير رأي منه! ولا يقتل لأنه ذهب أو أُخِذَ إلى ميدان القتال! ولا لأي سبب من تلك الأسباب الظاهرة التي يسند الناس في الجاهلية إليها سبب القتل! ثم إنه لم يكن ليرد القتل عنه أن يؤخذ رأيه في الخروج أو البقاء! ولا في الذهاب إلى ميدان القتال أو البقاء في البيت!

(1) سورة فصلت: 30 - 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت