الصفحة 280 من 379

".. قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ".

انظر كلمة"برز".. إنهم هم الذين يبرزون إلى مضاجعهم، كأنما بإرادة منهم .. ولا إرادة لهم في الحقيقة! إنما القدر الذي كتب عليهم القتل هو الذي يكتب عليهم البروز لملاقاته، مدفوعين دفعًا لتلك الملاقاة لا يملكون لها ردًا ولا تحويلًا!

هكذا ..

يُقتل الناس لأن القتل كتب عليهم، لا لأنهم في هذا المكان أو ذاك، ولا في هذا الوضع أو ذاك .. ويقتلون في الزمان والمكان الذي كتب عليهم القتل فيه، لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون! وليس الذهاب إلى ميدان القتال هو الذي يقتلهم، لأنهم لو كانوا في بيوتهم في اللحظة التي كتب عليهم فيها القتل لتحركوا وبرزوا لكي يلاقوا القتل في تلك اللحظة المحدودة .. لأنهم يتحركون بقدر لا يتوقف على ملابسة من الملابسات!

وتصور الأمر على حقيقته في هذه الصورة يغير الأمور تغييرًا أساسيًا في داخل النفس.

إن الناس -في غفلتهم- يتصورون أن القتال -في ذاته- هو الذي يقتل الناس! ويغفلون عن قدر الله الذي أوجد فريقًا من الناس يقتتلون في ذلك المكان والزمان ليموت فريق منهم! وحين يتعلقون بالسبب الظاهري وينسون ما وراءه من قضاء الله وقدره، يحسبون أنهم يستطيعون أن يفروا من الموت إن استطاعوا أن يفروا من القتال! ولذلك يجبنون عن الجهاد في سبيل الله فرارًا -في ظنهم- من الموت، واتقاء له! ولو أدركوا الأمر على حقيقته، وعلموا أنهم يموتون في اللحظة التي يموتون فيها لأن الموت قد كتب عليهم في تلك اللحظة، لا لأي سبب آخر، ولا يموتون في غيرها لأن الموت لا يكون قد كتب عليهم بعد، ولو كانوا في ميدان القتال .. عندئذ يدركون أن قتلهم لا يتوقف على جهادهم في سبيل الله، فقد يجاهدون ثم لا يقتلون إن لم يكتب لهم القتل والشهادة .. وإن فرارهم لا يؤمّن لهم البقاء إن كان القتل قد كتب عليهم، لأنهم عندئذ سيبرزون إلى مضاجعهم ولو كانوا في بيوتهم ..

وعندئذ لا يجبنون عن القتال ولا يتقاعسون عنه!

وعندئذ كذلك لا تقعدهم الهزيمة أو الخسارة ولا تخطم أرواحهم ولا تبدد طاقتهم!

إنما تستسلم نفوسهم لقدر الله، ويقومون من وقعتهم بروح جديدة وعزيمة غير مثخنة بالجراح!

وذلك هو الدرس الذي يوجههم القرآن إليه من خلال السياق ..

ثم يعلمهم حكمة الابتلاء بالهزيمة:

"وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ".

إن قدر الله -بالنصر أو بالهزيمة- لا يجري عبثًا .. ففضلًا على كونه يجري حسب سنن ربانية معينة، فإنه في كل مرة يقع تكون معه حكمته الربانية، سواء عرفها البشر في حينها أو لم يعرفوها. وهو هنا يعرفهم حكمة تلك الهزيمة التي وقعت: إنها اختبار لما في الصدور، يتبين منه الذين أسلموا نفوسهم وقلوبهم لله والذين ما زالت تهمهم أنفسهم. وتمحيص للذين آمنوا، بتثبيتهم على الإيمان في كل حالة من أحوالهم، منتصرين أو منهزمين، وتوجيه قلوبهم لله دائمًا، يرجون رحمته ويخافون عذابه .. وذلك هو الكسب الحقيقي لهم في نهاية المطاف .. والله عليم بذات الصدور!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت