الصفحة 281 من 379

وتعليق القلوب بالله، في كل حالة من حالات الإنسان في حياته على الأرض، هو -كما علمنا من السور المكية- من الأمور المتعلقة بالعقيدة. ولكن أمور العقيدة التي كانت تؤسس -صرفًا- في الفترة المكية، تأتي الآن قاعدة تنبني فوقها أشياء .. لقد تم"تأسيس"العقيدة وترسيخها في العهد المكي. والآن يأتي التذكير بالعقيدة لتبنى عليه أمور في واقع الجماعة المسلمة. فمرة يأتي توجيه سياسي، ومرة يأتي توجيه اجتماعي، ومرة يأتي توجيه اقتصادي .. وهنا يأتي توجيه للجهاد في سبيل الله .. كلها تأتي مؤسسة على العقيدة، التي هي الأساس الذي يقوم عليه كل شيء في هذا الدين، وكل شيء في حياة المؤمنين بهذا الدين.

وهنالك كذلك ملاحظة أخرى ..

كانت العقيدة في الفترة المكية تؤسس تأسيسًا شعوريًا وجدانيًا [وعقليًا كذلك بطبيعة الحال] أما هنا في العهد المدني، فبالإضافة إلى الخط الشعوري الوجداني [والعقلي] فإن تثبيت العقيدة وترسيخها يأتي من خلال"الدروس".. الدروس العملية والدروس التربوية .. كما هو واضح هنا من الدروس التربوية الموجهة من خلال المعركة وما حدث فيها .. ونموذج منها هذا الدرس عن القضاء والقدر، وأنه هو الذي يقرر مصائر الناس، وليست الأسباب الظاهرة من قتال أو بعد عن القتال .. ويكون المقصود من هذه الدروس العملية والتربوية هو تحويل العقيدة إلى"أعمال"واقعية في حياة الناس. [ولا شك أن تحويل العقيدة] إلى أعمال. كان ظاهرة بارزة في السور المكية من قبل .. ولكنها -بحكم ظروف التربية الأولى لجماعة مؤمنة في مجتمع جاهلي- كانت تُعَدُّ أعمالًا"أخلاقية"ذات صبغة"فردية"غالبة، وهي اليوم ذات صبغة"جماعية"غالبة من جهة، ومن جهة أخرى فإن المعنى"الأخلاقي"قد نما فيها نموًا ظاهرًا، فصار أخلاقيات سياسية، وأخلاقيات اجتماعية، وأخلاقيات اقتصادية، وأخلاقيات قتالية .. وهكذا.

وذلك أمر طبيعي مع نمو الجماعة وبدء تمكينها في الأرض، وبدء ممارستها للحياة الواقعية في ظل الإيمان .. ولكنه كذلك دروس تربوية نافعة في حياة كل إنسان!

"إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ".

وتلك حقيقة نفسية عميقة يكشف عنها القرآن في هذه الصورة التقريرية الموحية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت