فهرس الكتاب
إن الإنسان يتردد في لقاء الموت في سبيل الله حين تكون نفسه كلها أو بعضها غير خالصة لله تمامًا في تلك اللحظة .. إما لشيء من الشهوات يشدها إلى الأرض، أو لخطيئة لم تخلص النفس من آثارها تمامًا بالتوبة إلى الله. وعندئذ تكون فرصة الشيطان، يجذب الإنسان منها بعيدًا عن الطاعة الأعلى والأرفع والأعظم من كل الطاعات، وهي الموت في سبيل الله .. والتعبير القرآني يقول:"إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا"كأنما يريد الإنسان أن يرتفع فيجيء الشيطان فيجذبه إلى أسفل ليزل ويقع بدلًا من أن يستقيم ويرتفع .. وهو يجذبه من الموضع الذي يعلم أنه -في تلك اللحظة- غير خالص تمامًا لله، لأنه يعلم جيدًا أنه لا يستطيع أن يمكّن يده من موضع في النفس خالص لله! وهذا يلقى أضواء جديدة على النص القرآني الذي مررنا به من قبل:"وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ".. فقد قلنا من قبل إنه -في سبيل إعداد المؤمنين للمعركة- يخلّصهم من كل قيد يعوق انطلاقهم، ومن بين تلك القيود الإحساس بالذنب .. والآن نرى أن الشيطان يتصدى للنفوس الخاطئة التي لم تخلص بعد من خطيئتها بذكر الله والاستغفار والتوبة، فيجذبها من نقطة ضعفها هذه، فتتولى حين يلتقي الجمعان. فكان فتح باب الاستغفار والتوبة إذن لتقوية النفوس إزاء تصدي الشيطان لها في كربات القتل، حتى لا يجد الموضع الذي يمكّن يده منه فيستزل الإنسان ويقعده عن الصعود والارتفاع ..
".. وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ".
عفا عنهم -سبحانه- لأنه يعلم أنها زلة عابرة بينما القلوب عامرة .. والصفح ذاته لون من ألوان التربية يُخجل النفس الكريمة من أن تعود إلى ما يستوجب العتاب!
ثم يعود السياق إلى القضية التي تحدث عنها من قبل بشأن الطائفة الذين أهمتهم أنفسهم فراحوا يفكرون فيما حدث في المعركة من خسائر، فقالوا:"لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا"والذين وصف موقفهم هناك بأنهم"يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ"والذين رد عليهم مرتين في ذات الآية:"قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ".."قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ"..
يعود السياق إلى القضية ليحذر المؤمنين من أن ينزلقوا في مثل هذا التفكير فينتهوا إلى حيث ينتهي الكفار:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ، وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ".