الصفحة 283 من 379

وعودة السياق إلى القضية مرة أخرى يوحي ولا شك بالأهمية القصوى التي لهذه القضية في حياة الأمة المكلفة بإعلاء كلمة الله في الأرض، وإقامة المظلة الربانية التي يستظل بها الناس، فيفيئون في ظلها إلى الحق والعدل الربانيين.

إن إقامة ذلك كله لا تجيء بغير جهاد ولا قتال .. وإنما لا بد -ما دام هناك في الأرض من يكره الحق والعدل الربانيين، ويكره أن تكون كلمة الله هي العليا، ويكره أن يرد الحكم لصاحبه سبحانه وتعالى ويصر على اغتصابه ليتجبر في الأرض بهواه -لا بد ما دام ذلك كله قائمًا في الأرض، من أن يقع الجهاد والقتال، وأن يموت في سبيل الله أناس فيصبحوا شهداء لله ..

وما لم تنطلق النفس -في هذه القضية- من كل إسار يحجزها أو هاجس سوء يقعدها، فلن يوجد الجند الذين يكونون"جند الله"في الأرض، والذين يأخذون على عاتقهم أن يكونوا ستارًا لقدر الله في الأرض ..

وإن الله لن يعجزه أن يعلي كلمته في الأرض بغير أولئك الجنود .. فهو يقول للشيء"كن فيكون".. ولكن هكذا اقتضت حكمته -سبحانه- أن تكون الأمور في الأرض سارية من خلال تصرفات البشر وفي الوجهة التي يوجهون جهودهم إليها، فإذا وجهوها نحو الخير يكون الخير في الأرض، وإن وجهوها نحو الشر فإنه كذلك يكون:"ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ..." [1] وذلك"لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" [2] وكذلك:"وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَنًا" [3] .

وما دام الجهاد والقتال والتعرض للموت في سبيل الله هو الأداة التي لا غناء عنها لإقامة الحق والعدل الرباني في الأرض، فلا بد إذن أن نَخْلُصَ هذه القضية تمامًا في نفوس المؤمنين، حتى لا يحجزهم حاجز عن القتال في سبيل الله.

وفي سبيل تخليص نفوس المؤمنين بما قد يلم بها في هذا الشأن يأتي عرض القضية مكررًا في السورة من زوايا و"لقطات"مختلفة.

يأتي مرة في قوله تعالى:"وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ"إلى أن يقول:"وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء ..".

ومرة في قوله تعالى:"وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله .."إلى قوله:"وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ..".

ومرة في الرد على الذين أهمتهم أنفسهم:"قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ..".

وهذه المرة التي يحذر فيها المؤمنين أن يقعوا فيما يقع فيه الكفار ..

ثم مرة ثانية بعد ذلك وهو يتحدث عن المنافقين:"الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ".

ومرة وهو يتحدث عن الشهداء:"وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ".

ومرة حيث يقول:"لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ..".

ومرة حيث يقول:"فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ..".

(1) سورة الروم: 41.

(2) سورة الملك: 2.

(3) سورة الأنفال: 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت