فهرس الكتاب
وفي كل مرة يتناول القضية من زاوية جديدة ليؤكد المعنى ذاته، وليربط على قلوب المؤمنين.
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا ...".
ومجرد التهديد بأن يكونوا كالذين كفروا كفيل بأن يفعل فعله في نفوس المؤمنين. فليس شيء أكره إلى قلوبهم من أن يكونوا كالذين كفروا في أي شأن من شئونهم .. ومن هنا يهزهم هذا التهديد أو التحذير هزًا عنيفًا فينفرهم من أن يقعوا فيه.
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ..".
إن الذين كفروا إذا ضرب إخوانهم في الأرض أو خرجوا للقتال ثم أصابهم الموت يتصورون أن خروجهم ذلك هو الذي قتلهم، وأنهم لو كانوا باقين في ديارهم وبين أهلهم ما ماتوا وما قتلوا! ذلك أنهم ينظرون إلى الأسباب الظاهرة فيحسبونها هي التي تفعل، فيتصورون أنهم يستطيعون أن يتحاشوها بعدم التعرض لها! وينسون المحرك الحقيقي للأحداث وهو قدر الله، لأن بصيرتهم المطموسة لا ترى إلا ما يدركه العقل أو ما تدركه الحواس [وهو ذات الشيء الذي تقع فيه الجاهلية المعاصرة!] فيرون -بذلك المنطق المطموس- أنه ما دام الذهاب إلى القتال هو الذي أدى إلى القتل، فعدم الذهاب إلى القتال إذن هو السبيل إلى النجاة من القتل!
ذلك ظن الذين كفروا .. !
أما الحقيقة الكامنة وراء ذلك -وهي التي يراها المؤمن وحده لأن بصيرته انفتحت على الحقيقة بنور الله -فهي أن الله قد قدّر لفلان من الناس أن يقتل، فخرج إلى حيث يقتل! ولو كان في بيته لبرز إلى مضجعه كما ذكرت الآية من قبل ..
ليس الذهاب إلى القتل إذن هو الذي يقتل! إنما هو الأداة التي قدرها الله ليتم بها القتل المقدر من قبل في الزمان والمكان المحددين في علم الله وتقديره ..
وهو ليس الأداة الوحيدة ولا الحتمية! وإنما هو أصبح كذلك بالنسبة لفلان من الناس لأن قدر الله قد اقتضى ذلك .. وإلا فإن الله قادر على تنفيذ قدره بأية صورة، وذلك هو معنى:"قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ".
ولكن الذين كفروا، إذ لا يرون هذه الحقيقة لانطماس بصائرهم، تمتلئ قلوبهم حسرة على ما ضاع منهم لظنهم أنه كان يمكن التصرف في الأمر على صورة أخرى!"لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا".
والتعبير القرآني يقول:".. لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ"واللام-كما يقول النحا -لا التعليل .. كأنما ذلك هدف مقصود: أن تمتلئ قلوبهم حسرة على ما يضيع منهم. فهو لا يقول: إنهم لانطماس بصيرتهم تمتلئ قلوبهم حسرة، بل يقول إنهم يقولون قولتهم هذه:"لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا"ليجعلها الله حسرة في قلوبهم! فهي إذن عقوبة ربانية مقصودة لأولئك الذين يرفضون الهدى الرباني .. تمتلئ قلوبهم حسرة في الدنيا على ما يضيع منهم، ولهم في الآخرة عذاب أليم.
".. وَاللّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ".
تلك هي الحقيقة الكبرى وراء الأسباب الظاهرة التي يتعلق بها الناس يحسبونها هي التي تفعل، فيذهبون معها ويجيئون، يحاولون محاورتها ومداورتها ليكسبوا أكبر كسب من ورائها ويخسروا أقل خسران! فتضيع حياتهم كلها في هذه المحاولة العابثة، وتضيع الحياة الأخرى كذلك نتيجة الضلال!
وهنا يخطر على القلب خاطر قد يحتاج إلى بيان ..
أو ليس المؤمنون مكلفين أن يأخذوا بالأسباب؟
أو ليسوا محاسبين -في الدنيا والآخرة- إن قعدوا عن الأخذ بها؟