فهرس الكتاب
أو ليسوا يؤمرون بالخروج للقتال كسبب من أسباب النصر لا يتم النصر إلا به، وأن يعدوا لعدو الله وعدوهم ما استطاعوا من قوة، كسبب من أسباب النصر لا يتم النصر إلا به؟!
بلى .. ولكن المؤمن يأخذ بالأسباب دون أن يتعلق قلبه بالأسباب!
وقد تبدو المسألة صعبة التصور أو صعبة التحقيق في داخل النفس!
ولكنها في القلب المؤمن، الذي يمارس الإيمان على هدى وبصيرة، مسألة سهلة لا تعقيد فيها ولا تعارض ولا اضطراب!
إنه يأخذ بأسباب معينة لأن الله أمره بها، ولأن الله أخبره أو ألهمه أن النتائج -في عالم البشر- تتم عن طريق اتخاذ هذه الأسباب .. ولكنه يؤمن -في الوقت ذاته- أن النتائج لا تتم تلقائيًا وبصورة حتمية نتيجة اتخاذ تلك الأسباب، وإنما لأن الله هو الذي يرتبها على تلك الأسباب، ولو شاء لرتبها على أسباب أخرى من عنده! ولو شاء كذلك لرتب على ذات الأسباب نتائج أخرى غير التي عرفها الناس وتوقعوها! وأنه إذا كانت رحمة الله قد اقتضت تثبيت السنن الكونية ليستطيع الناس أن يتعاملوا معها، ويرتبوا حياتهم عليها، تأدية لدور الخلافة المطلوب في الأرض، وإعانة من الله على تأدية ذلك الدور .. فليس معنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى مقيد بتلك السنن صورة حتمية! ولا أن هذه هي السنن الوحيدة التي يدبر الله بها شئون الكون. وإنما مشيئته طليقة وإرادته حرة يفعل كيف يشاء ...
ومن هنا يتوازن في قلب المؤمن وفي حياته الواقعة أخذه بالأسباب وتعلق قلبه بالله لا بتلك الأسباب! فيعمل في عالم الواقع كأشد ما يعمل من يسمونهم"أهل الدنيا"من ناحية الأخذ بالأسباب، ومع ذلك يظل قلبه دائمًا معلقًا بالله وحده، ينتظر منه وحده الخبر، ويتقبل قدره إن جاء على غير ما ينتظر وما يجب .. ولا يمتلئ قلبه بالحسرات! ولا يفتن في حالتيه: لا يفتن بالأسباب إن نجح سعيه في الحياة الدنيا فيتعبدها من دون الله. ولا يفتن في حالة الفشل فييأس من رحمة الله!
".. وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ".
يعلم حقيقة الدوافع في قلوبكم، وحقيقة الأعمال، فيحاسبكم بمقتضى علمه سبحانه بهذه الحقيقة."وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ، وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ".
إن الناس ينفرون من أن يقتلوا في سبيل الله، ويفضلون -إذا لم يكن من الموت بدّ- أن يموتوا ولا يقتلوا! وكأنهم يتوهمون في دخيلة أنفسهم أنهم إن فروا من القتل فستطول أعمارهم ولا يموتون الآن! ولا يدور في خدلهم أنهم إن عاشوا فعلًا فترة من الوقت بعد فرارهم من القتال فلأن الكتاب المؤجل لم يحن موعده بعد، لا لأنهم فروا من القتال! وأنه لو كان الموعد قد حان فسيان أن يكونوا هنا أو هناك أو في أي مكان!
والقرآن يعرض القضية للمؤمنين من زاوية أخرى مختلفة تمامًا .. إن الكسب الحقيقي ليس عدد الأيام التي تعاش على الأرض مهما طالت .. إنما هو المغفرة من الله والرحمة .. ذلك"خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ"في أيامهم التي يعيشونها على الأرض، طالت أو قصرت.
استقر في قلب المؤمن أن هذا هو الكسب الحقيقي لم يعد همه أن تطول أيامه على الأرض، ولا أن يسعى في إطالتها بتجنب ما يُتَوَهَّم أنه يتسبب في قصرها، من جهاد في سبيل الله وقتال! .. بل أصبح همه أن يسعى إلى المغفرة والرحمة حيث كانت .. فإذا وجد أن الجهاد والقتال في سبيل الله هو أوسع أبواب المغفرة والرحمة صار سعيه متجهًا إلى هناك ..