الصفحة 286 من 379

ثم يعرض القرآن القضية من زاوية ثانية متممة لتلك. فما الفرق في النهاية بين الموت والقتل؟ هل يذهب الموتى أو المقتولون إلى أحد غير الله -سبحانه وتعالى- في نهاية المطاف؟ أو ليس الحشر إليه وحده سبحانه، يستوي في ذلك من مات تلك الموتة التي يحرص عليها أكثر الناس، ومن مات قتيلًا في سبيل الله؟! فإذا كان الحشر واحدًا، وكله إلى الله .. فهل هناك فرق حقيقي بين هذه الوتة وتلك .. إلا المغفرة من الله والرحمة والرضوان؟!

من هذه الزوايا المختلفة يعرض الأمر على المؤمنين، لتستقر القضية في نفوسهم تمامًا، ولتَخْلُص نفوسهم في هذا الأمر لله كما تخلص في جميع الأمور ..

ومن ثم يوجه الحديث للرسول -صلى الله عليه وسلم- وقد فعل الدرس فعله في نفوس المؤمنين- أن يعفو عنهم ويستغفر لهم ويشاورهم في الأمر:

"فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ".

وفي هذه الآية الواحدة مجموعة كاملة من الدروس ..

فهو إذ يوجه الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يعفو عن المؤمنين يذكره ابتداء برحمة الله التي جعلته -صلى الله عليه وسلم- لينًا عطوفًا رفيقًا:"فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ"وأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يكن فظًا غليظًا .. ولو كان ذلك لانفضوا من حوله.

هذا هو الدرس الأول .. أن هذا اللين والرفق والسماحة وسعة الصدر في طباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- إنما كانت برحمة من الله .. إنها جانب من جوانب تهيئة هذه النفس العظيمة للرسالة العظيمة والأمانة الكبرى ..

والدرس لنا نحن نحن .. فمن كان في طباعه شيء من اللين والرفق والسماحة وسعة الصدر فلا يغتر بنفسه، ولا يحسبن أنه من عند نفسه حصل على هذه الطباع .. إنما هي برحمة الله .. والفضل كله راجع إلى الله .. والشكر على هذه الموهبة واجب لله .. ومن كان في طبعهه جفوة وغلظة فليدع الله أن يرحمه بنزعها منها .. وإن الله لمستجيب إن صدقت النية وصدق التوجه إلى الله ..

والدرس الثاني يجيء في هذه العبارة:"وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ"..

إنه درس لنا جميعًا، وللدعاة إلى الله بصفة خاصة ..

فالقرآن يحدث الرسول -صلى الله عليه وسلم أنه لو كان فظًا غليظ القلب لانفض الناس من حوله .. هذا وهو يبلغهم رسالة الله .. وينقل إليهم وحيًا ليس من عند نفسه ولكنه من عند الله!

إنه لا يكفي إذن أن تكون"المادة"التي نقدمها للناس هي في ذاتها طيبة وقيمة وضرورية ونافعة! إنما ينبغي أن نقدمها كذلك بطريقة لا تنفر الناس ولا تصرفهم عما فيها من حق وجمال وقيمة ومنفعة!

وليس معنى ذلك أبدًا أن نتملق الناس! فالملق رياء وكذب ورذيلة .. والدعوة التي تتغلف به دعوة فاشلة في النهاية.

وليس معناه كذلك أن نداري عن الناس نقائصهم وعيوبهم لكي لا يغضبوا منا حين ننبههم إليها. فإننا لا نعالجهم بذلك وإنما نغريهم بالاستمرار فيما هم فيه من انحراف!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت