فهرس الكتاب
وليس معناه كذلك أن نحفي عن الناس تكاليف الدين وتكاليف الدعوة ولا نبرز لهم إلا الجوانب الهينة السهلة، أو الجوانب التي نحسب أنها يمكن أن تصادف هوىً في نفوسهم حين نعرضها عليهم عرضًا جذابًا يبين حقيقتها! فإننا بذلك نكون قد كتمنا جانبًا مما أنزل الله، والله يقول للرسول -صلى الله عليه وسلم-:"يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ" [1] فكتمان جزء ولو ضئيل مما أنزل الله يمحو التبليغ كله ويلغيه!
كلا! ليس معنى ذلك شيئًا من هذا كله .. إنما معناه فقط أننا ونحن ننبه الناس إلى ما فيهم من نقص وانحراف، وحين نعرض عليهم الحق كاملًا بلا مداراة ولا تخفيف -من عندنا- ولا حذف، نصنع ذلك كله بروح المودة والحب، وبالطريقة التي تتألف قلوبهم لا الطريقة التي تجعلهم يقولون: إنه حتى لو كان هذا هو الحق فلا نريده من وجه فلان!!
وبعض الدعاة -بدافع الحماسة لهذا الدين والإخلاص له- يقعون في هذا الخطأ إذ يظنون أنه لا بد من الشدة مع الناس والعنف، ولا بد من رجمهم بالحصى في وجوههم لكي يفيقوا ويتنبهوا من غفلتهم! وأنه بغير ذلك فلا فائدة ترجى! ولو كان هذا أسلوبًا ناجحًا في الدعوة لكان أولى الناس به هو المصطفى -عليه الصلاة والسلام- .. ولكن ها هو ذا المصطفى -عليه الصلاة والسلام- يقال له:"وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ"!
والدرس الثالث في قوله تعالى:"فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ .."
فأما أن يُطْلَب من الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يعفو عنهم، على الرغم مما أصابه بسبب معصيتهم له من جراح وآلام وما أنزلوه بنفسه الكريمة من غم .. فأمر قد لا نستغربه في جانب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وهو النفس العظيمة، أعظم نفس في تاريخ البشرية كله .. وهذا العفو -على عُسْره- قمة من القمم النفسية البشرية .. ومن أولى بها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟
وأما أن يطلب منه أن يستغفر لهم بعد كل ما فعلوه فقمة أخرى، أعسر في المرتقى .. ولكنها ليست عسيرة على تلك النفس السامقة الشامخة التي تتمثل فيها الأسوة والقدوة لكل البشر في كل التاريخ منذ مبعثه -صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة ..
وأما أن يطلب منه أن يشاورهم في الأمر .. فهذه مسألة أخرى لا تتصل بشخص الرسول -صلى الله عليه وسلم- ونفسه الرفيعة .. إنها مسألة من صلب هذا الدين، غير متعلقة بشخص من الأشخاص.
فلو جاء هذا الأمر بالمشاورة في ساعة رخاء ونصر أو في ساعة طاعة من المؤمنين وتلبية للأمر، فربما حسبنا أنها"مكافأة"للمؤمنين على انتصارهم وطاعتهم واستقامتهم .. أما أن يجيء الأمر في ساعة الشدة والهزيمة، وفي ساعة المعصية وما ترتب عليها .. بل يجيء على أثر مشاورة كانت الأغلبية التي أشارت فيها غير موفقة في مشورتها، إذ أشارت بالخروج من المدينة لملاقاة العدو، بينما كانت الأقلية التي لم يؤخذ برأيها هي الأصوب نظرًا والأكثر خبرة، وهي التي أشارت بالبقاء في داخل المدينة حتى يهاجمها العدو، فذلك أدعى للنصر عليه.
أن يجيء الأمر بعد ذلك كله للرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يشاورهم في الأمر فهو ذو دلالة واضحة على أن الشورى أصل من الأصول العميقة جدًا في بنية هذا الدين [2] !
وذلك درس لنا ونحن نبني أمتنا!
(1) سورة المائدة: 67.
(2) الشورى -بطبيعة الحال- تكون فيما لم يرد فيه نص.