فهرس الكتاب
ما أكثر ما يحتج طغاة في الأرض بأن أمتهم لا تصلح للشورى في موقفها الراهن، ولذلك فلا ينبغي أن تعطى حرية إبداء الرأي، وأنه ينبغي أن تنضج الأمة أولًا -على أيديهم- أي بالسياط والحديد والنار- لكي تصبح مؤهلة بعد ذلك للشورى!
وما أكثر ما يحتج طغاة في الأرض بأن شعوبهم تخوض صراعًا مع العدو. وأنه لا يمكن إعطاء حق الشورى والمعركة دائرة، لأن ذلك يضيع النصر! وأنه لا بد من الخضوع لإرادة الزعيم في تلك الفترة الحرجة -وإن أخطأ! - لأن ذلك أدعى لتكتيل الجهود وتوحيد الصف وتوحيد الكلمة!!
والله يقول غير ذلك ..
يقول لرسوله -صلى الله عليه وسلم- وهو المؤيد بالوحي، وهو أولى الناس على الإطلاق بألا يستشير أحدًا من الناس! - يقول له والمعركة دائرة، والصراع مع العدو على أشده، صراع حياة أو موت، بل يقول له على أثر معصية أمته لأوامره، وتسبب هذه المعصية في الهزيمة بعد النصر، وفي الخسائر المؤلمة لنفوس المؤمنين ونفس الرسول -صلى الله عليه وسلم-، بل يقول له على أثر مشورة غير موفقة مهدت في الحقيقة لجانب من جوانب الهزيمة حين وقعت المعصية .. يقول له في هذه الظروف كلها التي لا يمكن أن يحتج أحد بأسوأ منها:".. وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ"!
والدرس الرابع أو الرابع والخامس معًا في قوله تعالى:"فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ".
إن المشاورة واجبة وضرورية في مرحلة معينة من الإعداد .. فإذا تمت فهنا تجيء مرحلة العزيمة. ولا يجوز -بعد أن تتخذ العزيمة- أن يعود القائد إلى المشاورة! وإلا لانت عزائم الجند وانفرطت مشاعرهم فلم يعودوا يحسنون التوجه للأمر بالعزيمة والإصرار الضروريين لإنجاز أي أمر من الأمور سواء كان هو المعركة أو غيرها من شئون الحياة ..
والعزيمة ليست موقفًا"نفسيًا"خالصًا وإن كان منبعها ولا شك في داخل النفس .. وإنما هي كذلك إعداد .. واتخاذ للأسباب .. وإلا فما قيمة العزيمة التي لا تعد لها العدة ولا تتخذ لها الأسباب؟ كيف تَنْفُذ؟!
فإنما بوحي تعبير"فَإِذَا عَزَمْتَ"بعدة معان معًا: فإذا عقدت النية .. وأعددت العدة .. واتخذت الأسباب .. فتوكل على الله ..
وهنا يأتي الدرس الأخير ..
إن العزيمة وإعداد العدة واتخاذا الأسباب كلها ضرورية وواجبة للنصر، ولإنجاز كل شأن من شئون الحياة، ولكن حيث ينتهي هنا عمل الناس في الجاهلية، فإن الأمر لا ينتهي في نفس المؤمن عند هذه النقطة، إنما يتوجه قلب المؤمن -بعد هذا الإعداد كله- إلى الله، راجيًا منه أن يُنْجِحَ مسعاه، وموقنًا أن الله هو الذي ينجح المسعى وليست هي الأسباب!
وهذا هو التوكل الحق على الله، مع اتخاذ الأسباب .. وليس هو التواكل بغير اتخاذ الأسباب!
وتعميقًا لمعنى التوكل تأتي الآية التالية:
"إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ".
إن النصر من عند الله كما قال من قبل في السورة:"وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ". واتخاذ الأسباب للنصر ضرورة واجبة. ولكن النصر ذاته هو من عند الله. هو الذي يقدره، وهو الذي يرتبه على الأسباب. ومن ثم فإن المؤمن حين يفرغ من اتخاذ الأسباب يودع الأمر كله، بما في ذلك أسبابه التي اتخذها، في يد الله، وينتظر منها وحده سبحانه أن يأتي بالنصر من عنده. فإذا كان النصر مقدرًا فلا غالب لمن قدر الله له النصر. وإن يكن الخذلان هو المقدر فمن ذا الذي يملك أن يأتي بالنصر؟!