فهرس الكتاب
والآية -هنا- لا تتحدث عن الأسباب ومكانها من النصر أو الخذلان- وإن كان القرآن في غير هذا الموضع يتحدث عن وجوب النفرة ووجوب إعداد القوة -لأن المجال هنا هو مجال تحرير القلب المؤمن من الاعتماد على الأسباب الظاهرة أو الظن بأنها هي الفاعلة في الأمر .. وتخليص ذلك القلب من التطلع لشيء أو لأحد غير الله سبحانه. لذلك يذكر السياق تلك الحقيقة الربانية العليا، وهي أن النصر من عند الله وحده، ومرتبط بقدره وحده دون سواه .. فينبغي إذن أن يتوكل عليه المؤمنون لأنه هو وحده سبحانه الذي يقرر الأمر ..
ولكن ذكر التوكل وتكراره والتوكيد عليه ليس معناه الدعوة إلى التوكل وعدم الأخذ بالأسباب فقد سبق قوله تعالى:"فَإِذَا عَزَمْتَ .."والعزيمة كما قلنا تتضمن تهيئة الأسباب.
ثم يتحدث عن جانب آخر من جوانب المعركة هو جانب الغنائم وما ينبغي تجاهها من إظهارها وعدم إخفاء شيء منها صغر أو كبر:
"وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَاتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ، أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مِّنَ اللّهِ وَمَاوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللّهِ واللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ".
ومناسبة ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث عن الغلول أن قومًا من المنافقين زعموا أن غنائم بدر قد اختفى بعضها، وذكروا الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيمن غل الغنائم!! فهنا يقرر استحالة حدوث ذلك من أصله!"وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ"أي أن ذلك لا يتأتى أصلًا ولا يمكن أن يحدث!
ثم -بهذه المناسبة- يذكر حكم من يغل شيئًا هو من حق الله أو حق الجماعة المسلمة:"وَمَن يَغْلُلْ يَاتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"فهو يلازمه في يوم الحساب شاهدًا عليه .."ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ"فتأخذ حسابها الذي تستحقه بالحق"وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ".
ويرغب في اتباع رضوان الله، والاستعلاء على ذلك الهاتف الهابط الذي يدعو الناس إلى الغلول:
"أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مِّنَ اللّهِ وَمَاوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ".
كلا! إنهم لا يستوون أبدًا!
"هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللّهِ واللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ".
ويختم هذه الفقرة التي بدأت بتوجيه الحديث إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يعفو عن المؤمنين ويستغفر لهم ويشاورهم في الأمر، والتي تحدثت عن الغلول فنفت عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يتأتى منه الغلول أصلًا، وهو المربي الهادي الذي يعلم المؤمنين الأمانة ويرفع نفوسهم عن الدنايا، ويزكيها أن تهبط إلى مستوى الجاهلية التي خرجت منها ..
يختم هذه الفقرة بتقرير تلك الحقيقة الهائلة:
"لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ".
وأي منة على المؤمنين -وعلى البشرية كلها- أعظم من هذه المنة الربانية ببعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- هاديًا ومبشرًا ونذيرًا .. ومعلمًا ومربيًا يأخذ بيد البشرية إلى آفاقها العليا، معطيًا من نفسه القدوة، ومعطيًا من نفسه الرحمة والحب والصبر على الأذى وسعة الصدر؟!