الصفحة 290 من 379

إنها لمنة على البشرية كلها، ولكنها على المؤمنين أعظم، فالرسول -صلى الله عليه وسلم-"مِّنْ أَنفُسِهِمْ".. وإنه لشرف لهم أي شرف أن تكون منهم تلك الشخصية العظيمة، أعظم شخصية في تاريخ البشرية كله ..

ويفصل المنة تفصيلًا:"بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ""يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ""وَيُزَكِّيهِمْ""وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ".

إنها المنة العظمى .. منة الإيمان والهدى بعد الشرك والضلال. منة العلم الحق بعد الجاهلية. منة التزكية بعد فساد المشاعر ودنس النفوس .. المنة التي تؤهل للفلاح في الدنيا والآخرة .. وتؤدي إلى رضوان الله ..

ثم ينتقل إلى زاوية جديدة من زوايا الرؤية في قضية المعركة التي تناولها من قبل من زوايا مختلفة .. ليزيد القضية وضوحًا في نفوس المؤمنين، ويزيدهم بصرًا بالأحداث التي يقابلونها في طريقهم، ليسيروا في الطريق على بصيرة، وليعلموا ما خفى عليهم من حكمة الأحداث:

"أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ، الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ".

وأول ما يلفتنا هو الصلة الوثيقة بين هذه الآيات والآية السابقة عليها في السياق:"وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ".. إن هذه الآيات كلها تعليم"للحكمة". وعلى ذلك نرى أنه على الرغم من أن هذه زاوية جديدة في عرض القضية إلا أنها تتصل اتصالًا مباشرًا بما قبلها في السياق ..

لقد ذهل المسلمون للهزيمة فقالوا:"أنى هذا"! كيف حدث -ونحن المسلمون المجاهدون في سبيل الله- أن نهزم وينتصر الكفار، وهم على الباطل، معاندون لدين الله، كارهون للهدى، مصرون على الضلال؟!

وكأنما كان النصر الباهر المعجز في بدر قد أدخل في روعهم أنهم سينتصرون أبدًا في كل معركة يخوضونها مع الكفار، لمجرد أنهم هم المسلمون والكفار هم الكفار! مهما خالفوا أو انحرفوا أو عصوا أو تقاعسوا .. ما داموا هم المسلمين!! فلما هزموا صدمتهم الهزيمة صدمة بالغة وهزتهم حتى قالوا: أنى هذا؟! فيرد عليهم السياق مباشرة:"قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ".

إنه لا يكفي أن يكون المسلمون هم المسلمين والكفار هم الكفار! ليس هذا -بمفرده- هو الذي يقرر مصير المعركة! إنما هو عنصر مؤهل للنصر إذا استوفى المسلمون المؤهلات الأخرى اللازمة للنصر .. ومن بينها اتخاذ الأسباب، وعدم معصية الله ورسوله .. فأما إذا خالف المسلمون هذه الشروط فلن يقيهم كونهم مسلمين من النتائج الحتمية لأعمالهم، لأن هذه النتائج تسير وفق سنن ربانية ثابتة لا تتغير من أجل أحد من الخلق، ولا تحابي أحدًا من الخلق .. ولو كان من المسلمين!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت