فهرس الكتاب
وإنما نسي المسلمون هذه الحقيقة أو لم يجعلوا بالهم إليهم، وظنوا أن مجرد كونهم مسلمين هو الذي يؤهلهم للنصر، لأن النصر الحاسم الباهر في بدر يكاد أن يكون قد تم بغير أدوات! فقد كان المسلمون ثلث عدد الكفار، وكانت خيلهم وعدتهم لا تقاس شيئًا إلى جانب خيل الكفار وعدتهم .. ومن هنا ظن المسلمون حين انتصروا مع هذه الفوارق الشاسعة في العدد والعدة أن النصر يجيء فقط من كونهم مسلمين! ومن كون عدوهم هو الكفار!
ولم تكن بطبيعة الحال هي الحقيقة! إنما كانت عنصرًا واحدًا مؤهلًا للنصر إذا وجدت الأسباب الأخرى .. وقد وجدت تلك الأسباب بالفعل. وجد منها التوكل الكامل على الله، ووجد منها الطاعة الكاملة لله ورسوله. ووجد منها اتخاذ الأسباب المادية المتاحة بين يدي المسلمين يومئذ واستخدامها إلى أقصى طاقتها .. وعندئذ انتصر المسلمون رغم قلة عددهم وعدتهم، لا استثناء من سنة الله، بل تحقيقًا لسنة الله!"قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ" [1] فهي إذن سنة ربانية إلا تكن دائمة الوقوع في كل حالة فهي على الأقل كثيرة الحدوث، كما يفهم من تعبير"كم من .."وهو للتكثير.
وحقيقة إن عنصرًا خارقًا قد تدخل في معركة بدر، وهو قتال الملائكة مع المؤمنين. ولكن هذا لم يكن إلا على سبيل البشرى والتطمين كما جاء في هذه السورة:"وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ" [2] . ثم إن تنزل الملائكة على المؤمنين ليس حادثًا واحدًا فريدًا في تاريخهم لا يتكرر، فقد جاء في معركة الخندق قوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا" [3] وقال عن صلح الحديبية في سورة الفتح:"هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا" [4] كما أن المؤمنين عرضة لتنزل الملائكة عليهم دائمًا إذا وصلت نفوسهم إلى الشفافية التي يستقبلون فيها الملائكة:"إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ، نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ" [5] .
لم يكن إذن مجرد كون المسلمين مسلمين هو الذي جعلهم ينتصرون ذلك النصر الباهر الحاسم في بدر كما دخل في روعهم، فجعلهم يذهلون للهزيمة في أحد، ويقولون: أنى هذا؟! إنما كان -بالإضافة إلى كونهم مسلمين- أخذهم بالأسباب والشروط التي تؤهل لنصر الله، فآتاهم الله النصر. فأما حين خالفوا وعصوا فما كان يمكن أن تجاملهم سنة الله أو تحابيهم لمجرد كونهم مسلمين!.
".. قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".
(1) سورة البقرة: 249.
(2) سورة آل عمران: 126.
(3) سورة الأحزاب: 9.
(4) سورة الفتح: 4.
(5) سورة فصلت: 30 - 32.