فهرس الكتاب
هو بسبب عملكم وتصرفكم في أثناء المعركة. والله على كل شيء قدير، ومن بين آيات قدرته سبحانه أن يغير النص الذي كان في أول المعركة إلى هزيمة، ترتيبًا على معصيتكم ومخالفتكم لأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
ذلك درس من"الحكمة"التي يعلمها الله للمؤمنين. ونحن أحوج إلى تعلم هذه الحكمة والتوكيد عليها، فإننا كثيرًا ما نسأل أنفسنا: كيف انهزمنا وتغلب الكفار علينا؟ أولسنا نحن مسلمين؟! أوليسوا هم الكافرين؟! فأنى هذا؟!
وحين نتعلم من هذا الدرس أن مجرد كوننا مسلمين وكونهم كافرين لا يؤدي بذاته إلى النصر، فلعلنا أن نراجع أنفسنا ونتخذ الأسباب!
ثم يمضي تعليم"الحكمة"شوطًا آخر فيبين لهم ما كان وراء قدر الله بالهزيمة، التي هي في وقت معًا"مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ"و"بِإِذْنِ اللّهِ"!
"وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ..".
فهو إذن قدر مقدور من ورائه حكمة ..
وفي القلب المؤمن المطمئن بالإيمان يلتقي الخيطان بلا تعارض ولا تناقض ولا اختلاف: القدر المقدور من عند الله، ومسئولية الإنسان عما يقوم به من أعمال .. لا المسئولية تنفي أن ما وقع بالفعل هو قدر من من قدر الله، ولا القدر المقدور ينفي مسئولية الإنسان عن أخطائه التي يدخل في نطاق الإمكانيات الممنوحة له أن يتلافاها ..
الهزيمة وقعت نتيجة المخالفة والعصيان .."مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ".
والهزيمة قدر قدره الله لحكمة يريدها فهي إذن واقعة بإذن الله ..
والحكمة -التي يعلمهم إياها من وراء الهزيمة- هي تبيّن المؤمنين، وتبين المنافقين الذين قيل لهم"تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاَّتَّبَعْنَاكُمْ"وما كان للمنافقين أن يتميزوا وتتضح حقيقة موقفهم إلا بشدة كهذه الشدة التي أصابت المؤمنين .. وفي تبين حقيقة موقفهم خير لا شك فيه، ليحذر المؤمنون ألاعيبهم ومكائدهم ولا يتخذونهم أولياء ..
ويصف صورة المنافقين وحقيقتهم:
".. هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ".
إنهم يقولون بأفواههم: لو نعلم قتالًا لاتبعناكم. أما في قلوبهم فهو أنهم لا يريدون القتال أصلًا، ولو تيقنوا من القتال لفروا منه! فهم يخذلون إخوانهم عن القتال بالقعود -وهو قدوة سيئة في ساعة المعركة- وبالأفواه كذلك:
"الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا".
وهو قولة مخذّلة .. تخذل من في قلبه أدنى قدر من التردد، فيرجح القعود عنده على الإقدام .. لذلك يرد عليهم في الحال:
"قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ".
إنها ذات القضية التي عرضها من قبل حين قال من قال:"لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا"فرد عليهم:"قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ"وحين حكى قول الكفار:"لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا"وعقب عليها:"لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ".
إنها ذات القضية وإن كانت من مدخل آخر:"قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ".
إن الموت هو نهاية الأحياء على الأرض .. فهل يستطيعون أن يهربوا من ذلك المصير مهما قعدوا عن القتال ومهما خذّلوا من إخوانهم؟!