الصفحة 293 من 379

وما داموا -بطبيعة الحال- لا يستطيعون، فإن جهدهم كله الذي يجهدونه في اتقاء القتل جهد ضائع لا ثمرة له في نهاية المطاف!

ثم ينتقل إلى جانب جديد من جوانب القضية .. ذلك هو الحديث عن الشهداء الذين يستشهدون في المعركة ..

إنه -حقيقة- يُقتل ناس في المعركة .. كما يذكر المنافقون.

ولكن .. بصرف النظر عن كونهم قتلوا بقضاء من الله وقدر، لا بسبب الأسباب الظاهرة، وبصرف النظر عن كونهم كانوا لا بد سيقتلون ما دام قد كتب عليهم القتل، ولو كانوا في بيوتهم ..

بصرف النظر عن هذا كله .. فهل ماتوا حقيقة حين قتلوا في سبيل الله؟!

"وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ".

يا لها من صورة وضيئة شفيفة ورفيعة عالية ..

هل تحس أنهم ماتوا وأنت تنظر في هذه الصورة الوضيئة؟!

بل هل تصدق أنهم ماتوا؟!

كلا! إنهم لم يموتوا أبدًا، ولا يموتون أبدًا!

أحياء عند ربهم .. وأحياء في الأرض كذلك!

كل الناس يموتون، فتذهب ذكراهم بعد فترة تطول أو تقصر، بمجرد أن يذهب الجيل الذي كان يعاصرهم من الناس .. فهل يذهب ذكر الشهداء من الأرض؟!

هل ذهب ذكر حمزة؟ وعمر؟ وعثمان؟ وعلي؟ والحسين؟ وألوف وألوف غيرهم من الشهدءا؟

هل ذهب ذكر المواقف التي استشهدوا فيها، والبطولات التي سجلوها؟!

أما إنها باقية للأجيال .. لكل الأجيال .. تتملاها كأنما هي حاضرة اللحظة؟!

كلا! لا يموت الشهداء أبدًا!

ويذهب الطغاة فيموتون! ويتحولون -على الأكثر- إلى أسطر باهتة في كتب التاريخ!

ولكن الشهداء الذين قتلهم أولئك الطغاة لا يذهبون .. لأنهم لا يموتون! ويظلون ذكرى حية في قلوب الأجيال، لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، ولأنهم قدموا -في سبيل الله- عملًا باقيًا لا يموت!

وتجيء اللمسة الأخيرة في صورة المعركة ..

لقد كانت الدروس الماضية عتابًا شديدًا للمؤمنين على تخليهم يوم أحد من بعد ما أراهم ما يحبون .. وكان التوجيه يعنف أحيانًا ويلطف أحيانًا حين يذكر العفو عن المؤمنين بعد عصيانهم ..

ولكنه هنا في تلك اللمسة الأخيرة يشيد بهم، بعد أن وعوا ذلك الدرس الهائل كله وصغت له قلوبهم:

"الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوا أَجْرٌ عَظِيمٌ، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ".

إنها صورة رائعة للمؤمنين!

لقد قاموا من وهدتهم ..

لقد غُسِلت نفوسهم مما أصابها من وعثاء المعصية والتفرق والانفلات .. وعادوا إلى الصورة التي ينبغي أن يكونوا عليها ..

إنها الصورة المقابلة تمامًا لصورتهم السابقة:"إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ".

إنها صورة الثبات والتجمع والصمود والعزيمة والطاعة والتوكل الكامل على الله ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت