الصفحة 294 من 379

استجابوا لله والرسول .. من بعد ما أصابهم القرح .. فقد كان من لمسات التربية الملهمة أن قام بهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقاتل بهم الكفار على آثار المعركة السابقة وهم ما يزالون بجراحهم مثخنين!

إنها لمحة تربوية هائلة .. فلو استقرت الهزيمة في قلوبهم، فلربما أورثتهم الرعب من عدوهم، فلا يعودون يقتحمون عليه بسهولة فيما بعد. أما حين يجمعهم قائدهم الملهم -صلى الله عليه وسلم- فيسير بهم للقتال فإنهم ينفضون من قلوبهم آثار الخوف، ويتشجعون على الاقتحام، فتزول العقبة، ولا تترك الهزيمة آثارها السيئة في النفوس ..

ولقد خوّفهم الناس! قالوا لهم:"إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ"ولكنهم وقد غسلت نفوسهم من أوضارها، وعادت فخلصت إلى الله كاملة، لم يعد لهذا التحذير أثره في نفوسهم .. بل صار أثره زيادة في الإيمان وزيادة في التوكل وزيادة في العزيمة على الاقتحام:"فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ".

ولقد فوجئ الكفار بذلك ففروا!

لم يصدقوا أن فلول الأمس الموزعة المتفرقة المضطربة التي انطلقت لا تلوى على شيء، يمكن أن تتجمع اليوم لتقاتلهم .. وهي مثخنة بالجراح! وأرهبتهم هذه العزيمة الفائقة فخشوا إن التحموا بهم أن ينقلب الأمر عليهم فيذهب ما أحرزوه من النصر، وتنقلب آثاره هزيمة .. فرضوا من الغنيمة بالإياب! وكان ذلك بقدر من الله، وبفضل من الله:

"فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ""وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ".

إنه التوجيه الحكيم من القائد الملهم -صلى الله عليه وسلم-، وإنه الإنعام والفضل من الله ..

ثم هو توجيه تربوي من الله سبحانه وتعالى لا يفوتنا أن نقف وقفة عنده ..

إن الله -المربي- سبحانه لم يشأ أن تكون آخر صورة للمؤمنين في شريط الأحداث الذي سجله لهم هي صورة الهزيمة وصورة المعصية وصورة الخذلان!

لقد أنعم عليهم -في ختام المعركة- فلم يمسسهم سوء .. ثم أنعم عليهم في توجيهه التربوي في قرآنه المنزل أن تكون صورتهم الأخيرة هي صورة التجمع بعد الفرقة، والصمود بعد الخذلان، والطاعة بعد المعصية، والإشادة بعد العتاب!

إنه توجية تربوي لنا .. علينا أن نتبعه ونحن نربي إخوتنا وأبناءنا ..

فليكن العتاب قاسيًا حيث ينبغي أن تكون الشدة .. ولكن ختام الدرس ينبغي أن يكون بشرى بالرجوع إلى الطريق .. فذلك أفعل في تقويم النفوس واستحياء القلوب!

إن الله ذو فضل عظيم على المؤمنين: ثبتهم، ومنّ عليهم، وأخرجهم من وهدتهم التي سقطوا فيها، فعادوا إلى الطريق القويم، أصلب عودًا، وأقوى عزيمة، وأشد توكلًا على الله .. أما الشيطان فيريد أن يلعب دورًا مضادًا في حياة البشرية!

"إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللّهَ شَيْئًا وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ".

"إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ ..".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت