فهرس الكتاب
إن الشيطان له أولياء وهو يخوف الناس من أوليائه هؤلاء ليخضعوا لهم ويرهبوهم، فيتمكن بذلك أولياء الشيطان من نشر الفساد والشر في الأرض، في ظل رهبة الناس لهم وخشيتهم منهم .. والناس -حين لا يركنون إلى الله ولا يتوكلون عليه التوكل الحق- يصبحون فريسة لأولياء الشيطان، يخوفونهم على أمنهم وسلامتهم، وعلى أموالهم وأولادهم، وعلى مكانتهم ومصالحهم في الأرض .. فيخافون.
والمؤمنون هم القوة التي تتصدى في الأرض لأولياء الشيطان تنزع السلطان المغتصب من أيديهم لترده إلى الله سبحانه وتعالى بتحكيم شريعته العادلة في الأرض .. فينبغي إذن أن يكونوا غير بقية"الناس".. ينبغي ألا يقعوا في رهبة أولياء الشيطان، وإلا أكلهم الشيطان فيمن يأكل ..
"إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ".
إن دورهم في الأرض متوقف على هذه النقطة: ألا يخافوا أولياء الشيطان، إنما يخافوا الله .. والخوف يستوجب الطاعة. فحين يخافون الله فسيطيعون أوامره، فيقيمون حكمه في الأرض. أما إن خافوا أولياء الشيطان فسيطيعون أوامرهم فيقيمون حكم الشيطان في الأرض .. لذلك يؤكد عليهم:"فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ".
ثم يتوجه بالحديث إلى رسول الله -صلى الله لعيه وسلم- يواسيه ويسري عنه في شأن الكفار الذين"يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ"ويجتهدون فيه، بدلًا من أن يسارعوا إلى الإيمان ويجتهدوا فيه. يواسيه بأن يقول له إنهم لن يضروا الله شيئًا! وهذا يكشف عن أن الشغل الشاغل للرسول -صلى الله عليه وسلم- هو أمر هذا الدين، ورغبته الملحة -صلى الله عليه وسلم- أن يؤمن الناس كله ويصبحوا مسلمين لله .. فالله سبحانه وتعالى يطمئنه أنهم لن يضروا الله شيئًا بكفرهم، ولذلك فلا يحتاج الأمر إلى كل هذا الأسى من قلب الرسول -صلى الله عليه وسلم-. إنما إرادة الله من ورراء ذلك أن يحرمهم من حظ الآخرة:
"وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ".
ويكرر هذا المعنى مرة ثانية في الآية التالية، زيادة في التسرية عن قلب الرسول -صلى الله عليه وسلم-:
"إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللّهَ شَيْئًا وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ".
ثم يوجه الحديث إلى الكفار لينذرهم .. وإن كان الحديث في الحقيقة يتضمن توجيهًا إلى المؤمنين في نقطة كثيرًا ما تثور في نفوسهم وهو يواجهون الباطل المنتفش في معركة ينتصر فيها الباطل على أصحاب الحق المؤمنين!
"وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ"..
لا يحسبن الذين كفروا أن إملاء الله لهم هو خير لهم ..
وكثيرًا ما يغتر أصحاب الباطل يالنصر المؤقت الذي يحرزونه على المؤمنين، وخاصة في مراحل الدعوة الأولى، فتحدثهم نفوسهم الخبيثة المطموسة بأنهم خير من المؤمنين ولذلك ينتصرون عليهم! وأن الباطل الذي هم عليه خير من الحق الرباني! فهو هنا يكشف لهم -وللمؤمنين في ذات الوقت- عن أن إملاء الله لهم، ونصرهم على المؤمنين، ليس خيرًا لهم في حقيقة الأمر:
".. إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ".
تلك هي الحكمة البرانية من هذا الإملاء .. أن يزدودا إثمًا:"لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ" [1] .
(1) سورة النحل: 25.