الصفحة 296 من 379

وفي ذات الوقت تكون فترة تربية وتمحيص للمؤءمنين كما في سياق السورة من قبل:"وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا"فهي فترة يتم فيها أمران في وقت واحد: يزداد الكافرون كفرًا ويزداد المؤمنون إيمانًا، ليتم قدر الله بعد ذلك يمحق الكافرين وقد استحقوه بتمامه، ونصر المؤمنين وقد استحقوه بتمامه!

ثم هدف آخر يكشف عنه السياق:

"مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ".

إنه لا بد من فترة ابتلاء -تتم بالإملاء للكافرين- يتميز فيها الخبيث من الطيب، لأن الأمور لا تستقيم إذا ظل الخبيث مختلطًا بالطيب، متواريًا فيه، غير ظاهر ولا متميز. لا تستقيم حال الجماعة على هذه الصورة، والخبيث كالسوس ينخر في داخلها؛ ولا يستقيم حمل الأمانة على الصورة المطلوبة اللائقة بالجماعة الربانية، لأن الخبيث سيعوجّ في الطريق، ويعوّق خطوات الجماعة المؤمنة عن إقامة الحق، وقد يعجزها عن ذلك البتة؛ ولا يستقيم أمر الجهاد في سبيل الله، لأن الخبيث سيظل يخذّل ويعوّق ويدعو إلى القعود عن الجهاد ويسعى إلى خلخلة الصف ..

كلا. لا تستقيم الأمور إلا إذا تميز الطيب من الخبيث. وليس للتميز إلا أحد طريقين: أن يوجد الابتلاء الذي يكشف خبايا النفوس، أو يطلعنا الله على الغيب فيقول لنا منذ البدء إن هذا طيب وهذا خبيث. وقد اقتضت حكمته سبحانه ألا يطلع الخلق على الغيب:"وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ"لا غيب الأحداث ولا غيب النفوس. وإنما الطريق الذي اختارته الحكمة الربانية أن يرسل الله من يجتبيه من رسله، ويدعو الناس إلى الإيمان بالله ورسله، إلى الصبر على الإيمان، والجهاد في سبيل الله، وعن هذا الطريق يتميز الخبيث من الطيب، وينكشف ما كان مخبوءًا من غيب النفوس ..

وليس لنا أن نسأل: لماذا اقتضت حكمة الله ذلك .. فالله سبحانه وتعالى لا يُسأل عما يفعل .. ثم إنه قد أخبرنا أن الحياة الدنيا هي فترة الابتلاء لهذا المخلوق البشري:"الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا"والإملاء للكافرين حتى يتميز الخبيث من الطيب هو لون من الابتلاء، إن يكن شاقًا على النفوس، فإنما أجره كذلك عظيم"."

".. وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ".

والآن وقد انتهى الحديث عن معركة أحد، بجولاته المتتالية، ودروسه التربوية العميقة المؤثرة، يتحدث -عودًا على بدء- عن فريق من المحاربين الدائمين لهذا الدين، وهم اليهود:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت