الصفحة 298 من 379

وما دام الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يأتهم بقربان تأكله النار، فهم -بأمر الله- لا يؤمنون به!! ولكن القرآن يفضح دعواهم:

"قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ".

إن الذين جاءوهم بالبينات وبالقربان الذي تأكله النار كان مصيرهم القتل على أيديهم! ثم إن سيدنا موسى وعيسى أمراهم أمرًا صريحًا أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم حين يبعث، وأعطياهم صفته ومكان بعثه .. فهي مغالطة إذن ومجرد حجة مفتعلة للتكذيب:

"فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ".

فليس لنقص في البينات يكذبونك .. وإنما تلك طبيعتهم التي جبلوا عليها فلا غرابة إذن في أن يكذبوك!

واستمرارًا في جو المعركة، الذي يشغل السورة من أولها إلى آخرها، ويتغلغل في كل درس فيها يجيء هذا التعقيب:

"كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ، لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ".

إن المعركة مع أعداء لا إله إلا الله معركة حتمية .. وقد مر نموذج من قبله نماذج أخرى من هؤلاء الأعداء الذين ينبغي قتالهم. فلا يكن إذن خوف الموت حائلًا دون هذا القتال الواجب لأعداء الله:

"كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ ...".

فالذي يقعد عن القتال لن ينجو من الموت .. وإذن فلا مبرر لهذا القعود. والأجر الحقيقي ليس هو أيامًا زائدة في الحياة الدنيا، أو متاعًا يستمتع به الإنسان في تلك الأيام الزائدة .. ثم يزول!

"وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ..".

تلك هي الأجور الحقيقية التي تستحق أن يحرض الإنسان عليها ويسعى إليها سعيًا:

"فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ".

هذا هو الفوز الحقيقي .. وهذا هو الذي يستحق أن يحرص الإنسان عليه. أما متاع الحياة الدنيا الزائل الزائف المشوب، فما يستحق أن يضيع الإنسان من أجله ذلك المتاع الخالد الدائم العظيم الكريم ..

وتستوقفنا في السياق كلمة"زحزح".. إنها لفظة معبرة .. إنها توحي بالجهد والمشقة التي يتكبدها الإنسان ليبعد عن النار! وكأنما هي تجذبه إليها جذبًا عنيفًا يحتاج إلى كل الجهد"ليزحزح"بعيدًا عن جاذبيتها! وإن الأمر لكذلك:"حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات!" [1] فإنما هي جاذبية الشهوات هي التي تشد الناس شدًا إلى النار، وتحتاج إلى الجهد والمشقة ليبعد الإنسان عن دائرة جذبها وينفلت من إسارها ..

والتعبير كذلك يخيل أن هناك أيديًا كأنما تجذب الإنسان جذبًا شديدًا من الناحية الأخرى لتزحزحه عن النار وتدخله الجنة! فهو لا يتزحزح من تلقاء نفسه! ولو ترك وحده لاندفع إليها ووقع فيها .. إنما تأتي هذه الأيدي الخيرة فتجذبه لتنجيه من منطقة الجذب الخطرة التي لا يملك نفسه منها .. وإنها لأيدي الهداة من الرسل، أو أيدي الملائكة الموكلين بالمؤمنين، أو هي يد الله الرحيمة سبحانه وتعالى تمتد لتنقذ عباده من الوقوع في النار ..

(1) أخرجه مسلم والترمذي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت