فهرس الكتاب
وكأنما كانت تلك الآية مقدمة يأتي بعدها هذا التقرير، المتصل بموضوع المعركة مع أعداء لا إله إلا الله:
"لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ..".
"لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ..".
بهذا التأكيد، الذي يجعلها سنة حتمية من سنن الله لا مفر منها .. وإنما كانت الآية السابقة تمهيدًا لكي تتقبل نفوس المؤمنين ذلك الابتلاء بصبر ورضيّ، ولا تأسى على متاع الحياة الدنيا، الذي تفقده في ذلك الابتلاء ..
"وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ..".
فالابتلاء -بالعدوان- والأذى- باللسان- صادران عن أولئك الأعداء المحددين: الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى، والذين أشركوا [والفئة الرابعة وهي المنافقون داخلة في هذه الفئات وإن كانت تفرد بالحديث أحيانًا] .
هؤلاء هم الأعداء .. كانوا وما يزالون .. ولن يزالوا!
"وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ".
والأمر في حاجة إلى العزيمة لمواجهة ذلك الكيد من أولئك الأعداء ..
ثم يعود إلى إبراز اليهود خاصة من المجموعة المعادية الكائدة:
"وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ، لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".
لقد أخذ الله ميثاق أهل الكتاب أن يبينوا ما في الكتاب للناس ولا يكتموه .. ولكن ذلك يتنافى مع أطماعهم ودوافعهم الشريرة. فحين يُعرف ما في الكتاب فإن الناس سيتنكرون افتئات أهل الكتاب عليه، ويقاومونهم .. لذلك كتموه وحرفوه .. وفي عالم الواقع"نبذوه وراء ظهورهم"ليطلقوا لمطامعهم العنان"وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا".. وهو قليل ولو كان هو امتلاك كل الأرض والسيطرة على كل مقدراتها لفترة من الزمان! قليل بالنسبة للجزاء الذي ينتظرهم يوم القيامة جزاء كفرهم ونبذهم لكتاب الله."فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ".
وإن من خصالهم الذميمة أن يمنوا بما أتوا ولو كان زيفًا! وأنهم يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا.
"فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ".
"وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".
فهم لن يخرجوا -بكل أفعالهم- من ملك الله الذي له ملك السماوات والأرض. وإنه على كل شيء قدير. ومن قدرته أن يعذبهم العذاب الذي يستحقونه على ما جنت أيدهم من آثام.