الصفحة 300 من 379

"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ، رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ، رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ".

هذا الدرس الأخير في السورة .. وإنه لمن أعمق الدروس فيها جميعًا .. إنه يحمل خطًا أصيلًا من خطوط الإسلام، ويبرزه إبرازًا ..

إن الإسلام لا يكتفي من المؤمنين بالتفكر والتدبر والتذكر .. ولا يكتفي منهم بالمشاعر الإيمانية المستكنة داخل القلب .. إنما ينبغي أن يتحول هذا كله إلى سلوك عملي، وعمل واقعي ..

إنه يبدأ بهذا التقرير:"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ". وهذا التقرير متصل في الحقيقة بالآية السابقة:"وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"التي تختم الحديث عن أهل الكتاب، وما ينتظرهم من عذاب أليم، وتكوّن في ذات الوقت وصلة في السياق تصل إلى"ِأُوْلِي الألْبَابِ"وموقفهم من هذا الملك الهائل الذي هو ملك الله. وهكذا يكون الحديث عن ملك الله الواسع وقدرته التي لا تحد نذيرًا للكفار بأنهم لن يستطيعوا الخروج من ملكه ومن محيط قدرته ولا النجاة من عذابه، وبشيرًا للمؤمنين بأنهم في رحمة الله التي وسعت السماوات والأرض، وفي محيط قدرته التي تدخلهم الجنة بإذنه ..

وخلق السماوات والأرض، وفي محيط الليل والنهار .. وتلك الآيات الكونية كلها .. ذات وقع عميق على الحس البشري لا يمكن أن ينجو منه .. ولكن فريقًا من البشر يرين على قلوبهم ما يكسبون، فتنطمس بصائرهم، فلا يعودون يلتفتون لتوقيعات الكون على قلوبهم، ولا يتيقظون لدلالتها الهائلة: دلالتها على وحدانية الله وقدرته، وأنه لا شريك له، ولا ينبغي أن يتخذ معه أو من دونه شريك!

أما أولو الألباب فإنهم لا يوصدون قلوبهم دون توقيعات الكون، ولا يشيحون عنها، بل يتفكرون فيها ويتدبرون ..

إنه يصف أولي الألباب بالصفة التي تميزهم:

"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ..".

فهم عباد ربانيون .. لا يفترون عن ذكر الله، في قيامهم وقعودهم وعلى جنوبهم .. أي في جميع أحوالهم وجميع أعمالهم .. قلوبهم متصلة بالله، متعلقة به، ترجو رحمته وتخاف عذابه ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت