الصفحة 301 من 379

ثم إنهم يتفكرون في خلق السماوات والأرض، فيهتدون إلى الحقيقة الكبرى: إن الله خلق السماوات والأرض بالحق، ولم يخلقها باطلًا .. يهتدون إلى ذلك بنور الإيمان الذي ينير أفكارهم فتهتدي .. وإلا فالعقل وحده عرضة لأن يضل .. وكم ضلت عقول وهي تتفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار فقالت إنه باطل وعبث لا حكمة فيه ولا غاية وراءه [انظر الوجوديين مثلًا!!] ذلك أنهم يتفكرون وهم محرومون من نور الإيمان الذي ينير الطريق للعقل فيهتدي إلى الحكمة والغاية:"وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ" [1] .

إن أولي الألباب يهتدون إلى أن الله لم يخلق هذا باطلًا فيسبحون لله:"سبحانك!".

وإذ يعلمون أن الكون خلق بالحق، فهم يدركون أنه لا يمكن أن تكون الحياة الدنيا هي نهاية المطاف .. وإلا فهو العبث الذي يتنزه عنه الخالق سبحانه، والباطل الذي تفوه ابتداء عن خلق الله ..

إذن فلا بد أن تكون هناك رجعى إلى الله، وأن يكون حساب على ما تم في الحياة الدنيا من أعمال:"أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ" [2] كلا! إنما هي الرجعى والحساب، هي التي تنفي العبث عن خلق الله، وتتمم الصورة فتستقيم ..

وإذ عرفوا أن هناك رجعى، وأن هناك ثوابًا وعقابًا، فهم يسارعون إلى الاستغاثة من العذاب:"فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ".. ثم يسترسلون في التوسل إلى الله أن يجبرهم من هذه النار:"رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ"...

وكأنما يقدمون بين يدي مولاهم المؤهلات التي تؤهلهم لدخول الجنة والبعد عن النار:

"رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا".

آمنا بمجرد أن سمعنا! فهذا مدلول العبارة! أي سارعنا إلى الإيمان ..

ولا يفوتنا ذلك التكرار للفظ الإيمان ومشتقاته: ثلاث مرات في هذه الجملة الواحدة"رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا .."إن له دلالة نفسية واضحة: إنه من جهة طريقة لتوكيد إيمانهم بتكرار لفظ الإيمان في حديثهم، ومن جهة أخرى يدل على أن مشاعرهم مشغولة بالإيمان، ممثلة به، بحيث لا يكفيهم أن يذكروه مرة .. ! إنما يعاودون ذكره مرة بعد مرة .. كشأن الإنسان حين يحب شيئًا فيظل يردد ذكره ويتغنى به!

وبما أنهم سارعوا للإيمان بمجرد أن سمعوا المنادى [وهو الرسول -صلى الله عليه وسلم] ينادي للإيمان، فهم يتوجهون إلى الله بالدعاء:

"رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ".

ثم لا يكفيهم هذا التوجه الحار إلى الله، بل يشعرون في قلوبهم بمزيد من الرغبة في التقرب إلى الله والتوسل إليه، فيضيفون:

"رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ".

إلى هنا ينتهي ذلك الدعاء الحار الذي لا شك في صدروه عن قلوب مؤمنة صادقة الإيمان .. تفكرت وتذكرت وتدبرت، فهداها التدبر إلى ما اهتدت إليه من الحق .. فتوجهت إلى الله بمشاعر إيمانية صادقة، وتوسل حار إلى الله .. ولا يفوتنا تكرارهم للفظة"ربنا"في الداء .. خمس مرات متتالية، منها مرتان في آية واحدة .. إن دلالته النفسية على حرارة التوجه وصدق الرغبة دلالة لا تخفى ..

"فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ..".

(1) سورة ص: 27.

(2) سورة المؤمنون: 115.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت