فهرس الكتاب
نعم! ولكن متى استجاب، سبحانه؟!
هل استجاب للتفكر وهو تفكر؟ وللتذكر وهو تذكر؟ وللتدبر وهو تدبر؟ وللدعاء الحار وهو دعاء؟!
"فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ..".
إنها لفتة هائلة جدًا لا يسع الإنسان أن تفوته دلالتها!
إنه استجاب لهم سبحانه بأنه لا يضيع عمل عامل منهم .. ومعنى ذلك أن ذلك التفكر والتذكر والتدبر، وتلك المشاعر الإيمانية -رغم صدقها الذي لا شك فيه- ينبغي أن تتحول كلها إلى عمل .. وعندئذ يستجيب الله سبحانه لذلك الدعاء!
ولأن السورة كلها مشغولة بالمعركة .. معركة لا إله إلا الله .. فهو يضرب مثلًا من"العمل"المطلوب، يختاره مما يتصل بالمعركة:
"فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ".
لقد كان دعاؤهم:"رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ، رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ..".
وهذه هي استجابة دعائهم: إن الذين قاموا بهذه الأعمال:"لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ..".
إنه درس هائل جدًا .. إن كان قد ورد في سياق الحديث عن المعركة، واتصل بها، فإنه يمتد في الحقيقة في كل اتجاه.
إن الإسلام لا يعرف التفكر من أجل التفكر، ولا التدبر من أجل التدبر .. ولا المشاعر في صورتها الوجدانية الخالصة ولو كانت هي مشاعر الإيمان .. إنما ينبغي أن يتحول ذلك كله إلى عمل .. التفكر والتدبر والمشاعر والدعاء .. كلها سواء!
وهو درس وعاه المسلمون الأوائل في كل اتجاه ..
ومن هنا لم تنشأ"الفلسفة"في أجيال الإسلام الصافية الأولى، لأنها تكفر من أجل التفكر! وإنما جاءت عدوى من اليونان حين بدأ خط الانحراف!
ومن هنا كذلك لم تنشأ"الصوفية"بصورتها السلبية في أجيال الإسلام الصافية الأولى، لأنها تذكر من أجل التذكر، وتدبر من أجل التدبر، ومشاعر من أجل المشاعر، ودعاء من أجل الدعاء! إنما جاءت عدوى من فارس والهند، ورد فعل لانحراف الترف والفساد!
إنما كان الإسلام في أجياله الصافية الأولى تفكرًا وتدبرًا وتذكرًا ودعاء ومشاعر، تتحول كلها إلى عمل وسلوك .. في كل اتجاه .. في شعائر التعبد كما هي في الأخلاق، وفي الجهاد في سبيل الله كما هي في عمارة الأرض، وفي بناء الأسرة كما هي في بناء المجتمع ..
بل كانت كذلك في العلم! .. والمسلمون هم الذين أنشأوا المنهج التجريبي في البحث العلمي، من إيحاء الإسلام لهم، ولم يكن معروفًا من قبل .. وهو هو الذي تقوم عليه الحركة العلمية المعاصرة في أوربا، بعد أن تعلمته من المسلمين في الأندلس والشمال الإفريقي!
إنها حقيقة الإسلام الكبرى .. التي أنشأت من قبل تلك الأمة التي كانت"خير أمة أخرجت للناس"والتي كتبت ذلك التاريخ الذي لا مثيل له في تاريخ الأمم من قبل ..
وحين انحرف المسلمون عن هذه الحقيقة -وبقدر انحرافهم- صاروا إلى ما هم فيه اليوم من أحوال!