فهرس الكتاب
"لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللّهِ وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ".
الحديث متصل بلا انقطاع، وإن كان يبدو لأول وهلة أن هناك نقلة مفاجئة في السياق!
لقد كان يقول من قبل:"فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ".
وهنا يهجس الهاجس في القلوب ..
لماذا؟! لماذا يبتلى المؤمنون هذا الابتلاء الشاق، فيضطرون للهجرة من ديارهم أو يُخرجون منها، ويؤذون، ويخوضون للقتال فيموت منهم من يموت .. بينما الذين كفروا يتقلبون في البلاد، آمنين مطمئنين، وفوق ذلك مسيطرين؟!
هكذا يكون الوضع دائمًا قبل التمكين النهائي للمؤمنين، والتدمير النهائي على الكافرين ..
والبشر بشر .. وفي حدود بشريتهم، وانطلاقًا منها، يهجس ذلك الهاجس في القلوب!
فهو هنا يرد على هذا الهاجس البشري، يزيل الأسى الذي يثيره ذلك الهاجس في القلوب!
"لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ ..".
لا تعطه أهمية أكثر من حقيقته، ولا يغرنك مظهره عن حقيقته!
إنه -حتى لو دام إلى نهاية أعمارهم، ولم يؤخذوا بالعذاب قبل موتهم -إنه"متاع قليل"..
وهل متاع الأرض كله، ومتاع العمر كله، إلا قليل؟! ما هو حين يقاس إلى متاع الخلد؟! بل هو حين يقاس إلى شهوات الإنسان ذاته هنا في الأرض، وهي شهوات -حين يطلق لها العنان- لا تشبع ولا ترتوي وتظل تتطلع إلى المزيد؟!
"مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ".
كما قال في سورة الشعراء:"أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ، مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ" [1] .
"لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللّهِ وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ".
فشتان بين مصير ومصير .. عذاب قليل في الدنيا ونعيم الخلد في الآخرة .. ومتاع قليل في الدنيا ومأواهم جهنم وبئس المهاد!
وهذه ليست دعوة للرضى بالظلم في الدنيا مقابل نعيم الآخرة، ولا تمنية بنعيم الآخرة لتخدير الناس في الدنيا ليحتملوا الظلم ولا يثوروا .. كما يقول الجهال في كل الأرض، الذين يقولون إن الدين أفيون الشعوب!
ونظرة واحدة في السياق تنفي ذلك الخاطر الذي يخطر في عقول الجهال! فالسياق قبلها مباشرة يقول إن الله سيدخل الجنة أولئك الذين يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون! وإنه لا يكتفي من الناس بالتفكر والتدبر والمشاعر والدعاء .. إنما ينبغي أن يتحول ذلك كله إلى عمل وجهاد في سبيل الله ..
إنما هو طمأنة لقلوب المجاهدين، حتى لا يقعد بهم تمكن الكافرين في الأرض عن الجهاد .. وحتى لا يشغلهم الأسى لوضعهم الشاق في الأرض، فيحتجز جانبًا من طاقتهم التي ينبغي أن توجه كلها للجهاد حتى يتمكن الحق في الأرض ..
(1) سورة الشعراء: 205 - 207.