فهرس الكتاب
لا نملك هنا -في هذا المجال المحدود- أن نستعرض سورة النساء بمثل التفصيل الذي عرضنا به سورة آل عمران. فقد كانت سورة آل عمران -كما رأينا- تعالج موضوعًا واحدًا من البدء إلى النهاية هو معركة لا إله إلا الله من جوانبها المختلفة، كما أنها لا تشتمل على شيء من الأحكام. بينما تحتوي سورة النساء على موضوعات متعددة، كما تشتمل على مجموعات كثيرة من الأحكام ليس من شأننا التعرض لها هنا وقد قصرنا الهدف الرئيسي من الكتاب على تحديد الموضوعات التي تناولها القرآن بصفة عامة، وبيان الطريقة التي يعالج بها القرآن هذه الموضوعات.
لذلك سنكتفي في عرضنا للسورة بالوقوف عند بعض الموضوعات أو القضايا الواردة فيها، وبالقدر الذي يسمح به المجال.
تشتمل السورة كما ألمحنا على موضوعات متعددة، ولكنها مع ذلك مترابطة، يجمعها محور واحد، أو إن شئت جملة محاور، ولكنها متصلة في النهاية برباط واحد.
وقد يتكرر ذكر الموضوع الواحد أكثر من مرة في سياق السورة، وخاصة الموضوع الذي يتصدر السورة والذي سميت السورة كلها باسمه وهو موضوع"النساء". ولكنه في الحقيقة ليس الموضوع الوحيد الذي تتكرر الإشارة إليه. وإنما هي ظاهرة عامة في السورة أن يعود الحديث إلى الموضوع الواحد مرة بعد مرة، كأنما هي دروس متتابعة، يعلّم الله بها المسلمين أمور دينهم، جولة بعد جولة في سياق متصل طويل [1] .
ويلفت نظرنا في ذلك السياق المتصل الطويل أمران، أحدهما سبقت الإشارة إليه في مقدمة هذا القسم من الكتاب، وفي عرض سورة البقرة وسورة آل عمران، وهو أن العقيدة في السور المدنية هي محورها الأصيل الذي تنبثق منه كافة التوجيهات والتنظيمات والتشريعات.
والأمر الآخر هو الانتقال -الذي قد يبدو مفاجئًا- من حديث عن العقيدة إلى حديث عن شعيرة من الشعائر، إلى حكم شرعي خاص"بالمعاملات"، إلى توجيه اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي أو حربي ..
ولكن هذا الذي قد يبدو لنا مفاجئًا هو أمر له دلالته في السياق القرآني. ذلك أن الانتقال من العقيدة إلى الشعيرة إلى الشريعة إلى التوجيه ليس في الحقيقة انتقالًا من موضوع إلى موضوع آخر مختلف. إنما هو انتقال من جزئية من جزئيات هذا الدين إلى جزئية أخرى منه، في داخل المحيط العام الذي هو في مجموعه"هذا الدين". و"الدين"كما يريده الله هو هذه الموضوعات أو هذه الجزئيات جميعًا في وقت واحد. إنه ليس العقيدة وحدها، ولا الشعيرة وحدها. ولا الشريعة وحدها، ولا التوجيه وحده. إنما هو مجموعها جميعًا، وفي آن واحد. ومن ثم لا يكون السباق قد تحول من مجراه إلى مجرى جديد. إنما يكون فقط قد تقدم من نقطة إلى نقطة أخرى في نسيحج واحد متجانس وإن كان متعدد الألوان.
وهذا النسق الخاص من العرض، الذي ينتقل فيه السياق من نقطة إلى نقطة بلا انفصال، جدير بأن يكشف لنا عن هذه الحقيقة في هذا الدين، وهي اتصال موضوعاته وجزئياته اتصالًا عضويًا مترابطًا غير قابل للانفصال .. بالضبط كما يعرضها السياق القرآني، متصلة -على اختلافها- بلا انقطاع ولا انفصال.
ومن ثم تزول"المفاجأة"في الانتقال، التي يحسها القارئ الذي يتناول القرآن بغير وعي لهذه الحقيقة، أو الذي يتناوله وفي حسه صورة معينة من التقسيم"المنطقي"للموضوع.
(1) يستطيع القارئ أن يلاحظ هذه الظاهرة كذلك في سورة المائدة.