الصفحة 306 من 379

إننا في تقسيمنا الذهني نبوّب الأشياء ونصنفها، ثم نعزل كل باب بمفرده، ونبحث فيه كأنه قائم بذاته. ولا بأس من ذلك في البحث العلمي. أو ربما تكون هذه ضرورة في هذا النوع من البحث. ولكن الترتيب والتبويب في الحقيقة يتم على حساب قدر من الإحساس بالوحدة الشاملة للموضوع. ونحتاج دائمًا إلى إعادة التصور، لنستعيد هذا الإحساس بالوحدة والتجانس في الموضوع. ولكن دين الله شيء آخر! والله يريد لنا أن نتعرف على ديننا في صورته الشاملة المتصلة المترابطة، لكي نمارسه كذلك في صورته الشاملة المتصلة المترابطة، ولكيلا يتجزأ في حسنا وفي ممارستنا إلى موضوعات منفصلة لا يربط بينها رباط!

بسم الله الرحمن الرحيم

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا".

هذا هو افتتاح السورة. وهو يحوي عدة إشارات وموضوعات وقضايا تشملها كلها هذه الآية المفردة في مفتتح السياق.

فالآية تحوي أولًا إشارة موجزة إلى الموضوع الرئيسي في السورة وهو علاقات الأسرة والمجتمع، وذلك بذكر النفس الواحدة التي خلق منها زوجها، وذكر الرجال الكثيرة والنساء التي تنشأ من لقاء الزوجين، وذكر الأرحام التي تنشأ من التزاوج بين هذه الرجال الكثيرة والنساء.

وهي تحوي ثانيًا إشارة إلى الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه علاقات الأسرة -وعلاقات المجتمع كله الناشئ من وجود الرجال والنساء والأطفال- وهو تقوى الله، التي تفتتح بها الآية:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ..."ويشار إليها مرة ثانية أثناء الآية:"وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ .."وتختم بها الآية في صيغة أخرى:"إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا".

ثم هي تحوي أخيرًا إشارة موجزة -ودالة- إلى القضايا الثابتة في حياة البشرية، التي ينبغي أن تحكم تلك الحياة مهما تغيرت مظاهرها أو"تطورت"كما يحلو للمحدثين أن يعبروا [1] . وهي إشارة تكملها وتشرحها الآيات الأخرى في هذه السورة وفي غيرها من السور، ولكنها هنا -على إيجازها الشديد- ذات دلالة واضحة.

وهذه الإشارة بالذات تحتاج إلى شيء من البيان.

فنحن في وقتنا الحاضر بصفة خاصة -وبتأثير الداروينية وإيحاءاتها التي جاءتنا مع الغزو الفكري -ننظر إلى الحياة كأنها متغيرة أبدًا -أو متطورة أبدًا [2] - بحيث لا توجد لها أسس ثابتة ترتكز عليها، وبحيث يمكن أن تسير في أي اتجاه بلا ضابط؛ يحكمها عامل التغير أو التطور وحده، ولا تحكمها أية أسس ثابتة، توازن على الأقل عامل التغير إن لم نقل تسيطر عليه في الحقيقة وتتحكم فيه" [3] ."

(1) من بعد نظرية دارون صارت أوربا تقحم كلمة التطور في كل شيء، وأخذنا نحن منها هذه الكلمة بطريق العدوى وأقحمناها كذلك في كل شيء مصداقًا لحديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-:"حنى إن دخلوا جحر ضب دخلتموه"! وأنا أفضّل أن أستخدم كلمة"التغير"وكلمة"النمو"كلًا في مناسبتها بدلًا من كلمة"التطور"التي تحوي دائمًا جراثيم الإيحاءات الداروينية!

(2) انظر الهامشة في الصفحة السابقة.

(3) انظر كتاب"التطور والثبات في حياة البشرية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت