الصفحة 307 من 379

ولكن هذه الآية التي تفتتح بها سورة النساء، التي تتناول علاقات الأسرة وعلاقات المجتمع -بل علاقات المجتمع البشري الواسع في الحقيقة- تردنا إلى تلك الأصول الثابتة التي تحكم هذه العلاقات وتضبط مسارها، فتتغير مظاهرها ما شاء لها التغير، وتنمو ما شاء لها النمو، ولكنها تظل محكومة بتلك الأصول الثابتة لا تنفك منها.

ويلفت نظرنا بادئ ذي بدء أن السورة قد افتتحت بقوله تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ .."فهي خطاب إلى كل الناس، وليس للمؤمنين وحدهم كما جاء -مثلًا- في افتتاح سورة المائدة:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ...".

ولهذا الافتتاح دلالته في أن هذه القضايا الثابتة تشمل حياة البشرية كلها ولا تخص مجتمعًا معينًا من مجتمعاتها، وأن خروج أي مجتمع في الأرض عن مقتضى هذه الأصول الثابتة هو خروج عن النهج المستقيم، لا بد أن تنشأ عنه اختلالات في هذا المجتمع؛ وأنه لا يتسنى لمثل ذلك المجتمع أن يبرز انحرافاته بأن له ظروفًا خاصة، أو بأن"التطور"قد أفضى به إلى ما أفضى إليه، فالخطاب موجه للناس كافة والأصول الثابتة تشمل كل الناس بلا تفريق ..

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم ...".

تلك هي القضية الأولى الثابتة أو الأصل الكبير الثابت الذي يحكم كل حياة البشرية من أول أجيالها إلى آخر أجيالها.

إن للناس ربًا عليهم أن يتقوه لأنه هو خالقهم ..

وعلى بساطة العبارة وإيجازها الشديد في سياق الآية فإنها تحوي الأصل الأكبر في دستور الحياة البشرية.

إنها أولًا قضية أزلية وهي كذلك قضية ثابتة.

فالله الخالق حقيقة أزلية، وخلقه للناس حقيقة تاريخية ثابتة لا يجري عليها تطور ولا تغير ولا تحوير! لن يجيء تطور ولا تغير يجعل أحدًا غير الله هو"الذي خلقكم"، ودعك من تمحلات الداروينية التي تقول"إن الطبيعة تخلق كل شيء ولا حدّ لقدرتها"! فهي تمحلات غير علمية وغير منطقية، فإن"دارون"-وهو يهرب بهذه العبارة من إله الكنيسة الأوربية لظروف لا شأن لنا بها هنا- لم يقل لنا بطريقة علمية ما تلك"الطبيعة"التي يتحدث عنها، ولم يتوقف- كما ينبغي للعالم الحق أن يتوقف -ليسأل نفسه عن هذه الطبيعة التي يقول عنها إنها غير عاقلة وإنها تخبط خبط عشواء، كيف خلقت الإنسان العاقل المفكر الذي يخترع الأدوات والآلات كما يخترع الأفكار والنظريات! وسيظل تحدّي القرآن له ولغيره قائمًا إلى يوم القيامة:"أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ" [1] كما سيظل كذلك تحدّي الفطرة التي تتجه تلقائيًا إلى الله الخالق -حتى وإن ضلت معرفته على حقيقته- تصديقًا لقوله تعالى:"وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا" [2] .

وإذ كانت هذه حقيقة أزلية وقضية ثابتة لا تتغير، فقد ترتب عليها نتائج هي الأخرى ثابتة لا تتغير. ترتب عليها أن الله هو رب الخلق، وأن عليهم أن يتقوه، والتقوى لا تكون إلا بطاعة أوامره، وقد أمرهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وأن يتحاكموا إلى شريعته وليس إلى أي شريعة سواها. ومن ثم تصبح عبادة الله وتحكيم شريعته أصلًا ثابتًا في حياة البشرية لا يخضع لعامل التغير، ولا"يتطور"كما يقول التطوريون!

(1) سورة الطور: 35.

(2) سورة الأعراف: 172.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت